⛅ جاري تحميل الطقس…
آخر الأخبار
أقلام حرّة
بواسطة sagi 21 مشاهدة 7 دقيقة قراءة

انسحاب "ترامب"إلى فقاعته 

عبد الحليم قنديل لم يفاجأ عاقل بقرار الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" اعتزامه الانسحاب من الحرب على إيران فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، ليس فقط بسبب غرابة أطوار الرجل العشوائى البرتقالى البهلوانى ، ولكن أساسا بسبب اصطدامه بحائط العجز فى الميدان الحربى...

انسحاب "ترامب"إلى فقاعته 
صورة توضيحية
مشاركة

 

عبد الحليم  قنديل

     لم يفاجأ عاقل بقرار الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" اعتزامه الانسحاب من الحرب على إيران فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، ليس فقط بسبب غرابة أطوار الرجل العشوائى البرتقالى البهلوانى ، ولكن أساسا بسبب اصطدامه بحائط العجز فى الميدان الحربى وتطوراته العاصفة ، وبسبب الصمود المذهل الذى أبدته إيران فى القتال ضد العدوان الأمريكى "الإسرائيلى" ، وفاق تصورات أشد المتفائلين بحيوية إيران ، وحرم العدو من تحقيق هدفه الأول المعلن بإسقاط النظام الإيرانى ، وكان هدفا لا يستسيغه عاقل عارف بألف باء تكوين نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران ، ورغم أن القائد الأساسى للحرب الهمجية "بنيامين نتنياهو" ، الذى جر "ترامب" إلى المقامرة الخاسرة ، تحدث مؤخرا بلغة دعائية أكثر تحفظا ، وحصرها فقط بإضعاف النظام الإيرانى تمهيدا لتغييره فيما بعد ، لكن "ترامب" راح يتحدث بلغة أكثر قطعية وانتفاخا ، ويجزم بأنه تم تغيير النظام الإيرانى بالفعل ، وأنه بذلك تحقق هدف حربه الأول ، استنادا إلى أحكام ساذجة ، من نوع أنه تم قتل قادة الطبقتين الأولى والثانية من نظام "آية الله على خامنئى" ، وأن النظام زال بمجرد اغتيال قادته الأولين ، وأن القادة الجدد أكثر منطقية وانفتاحا على التفاوض مع واشنطن ، رغم أن أى تقدير عاقل يقول العكس بالضبط . 
     فقد نجح النظام الإيرانى فى تجديد قادته بسلاسة ، ولم تضعفه الاغتيالات المتلاحقة للقادة من "على خامنئى" إلى "على لاريجانى" ، وانتقلنا من قيادة خامنئى الأب (86 سنة) إلى قيادة خامنئى الإبن "مجتبى" (56 سنة) ، أى أن كل ما فعله العدوان الأمريكى الصهيونى ، أن مهد لظهور نسخة أكثر شبابا وحيوية وراديكالية من النظام نفسه ، وبالذراع العسكرية نفسها فى "الحرس الثورى" وقوات التعبئة "الباسيج" والجيش الإيرانى ، ودونما نجاح يذكر للخطة الساذجة التى ساقها "نتنياهو" لإقناع "ترامب" بنصر سريع ساحق ، وهى أن "الموساد" "الإسرائيلى" قادر على تنظيم ثورة شعبية تخلع النظام فور اغتيال المرشد ، ورغم وجود شواهد كثيرة على عمق واتساع اختراقات جهاز "الموساد" فى الداخل الإيرانى ، والتى أفضت إلى الاغتيال السهل للقائد "خامنئى" وعشرات من القادة العسكريين الكبار فى ساعة الحرب الأولى (صباح 28 فبراير 2026) ، إلا أن الثورة الموعودة لم تقم أبدا ، وامتلأت شوارع طهران ومدن إيران بالناس المؤيدين للنظام لا المعارضين ، وكان الحشد المليونى المناصر للنظام موحيا ، وصنع القاعدة الأصلب لبقاء وتجديد النظام ، ودعم قيادة "مجتبى خامنئى" المتوارى عن الأنظار لاعتبارات أمنية مفهومة ، وفى ظل قصف أمريكى "إسرائيلى" متصل ، تجاوزت أهدافه تدمير 20 ألف موقع فى البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية .
      وكان الصمود الشعبى الإيرانى تحت حمم النار ، مما جعل الصمود الحربى الإيرانى المذهل ممكنا بسلاسة ، فقد نجح "الحرس الثورى" الإيرانى فى حماية درع إيران شبه الوحيد من المسيرات وصواريخ "كروز" والصواريخ الباليستية المتطورة ، وقاد الضربات الصاروخية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية ، وفى قلب كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، وبتخطيط ذكى بارع محكم ، وضع عينه أولا على تدمير كفاءة نظام الدفاع الجوى الأمريكى "الإسرائيلى" ، وفتح ثغرات اتسعت فى نظم "الرادارات" الأمريكية بالمنطقة ، التى يبلغ سعر النظام الواحد منها أكثر من مليار ونصف مليار دولار ، وكان نجاح إيران فى تحطيم عشرة "رادارات" أمريكية ، ثم نجاح خلطة الصواريخ والطائرات المسيرة ، والتنسيق اللحظى بين إطلاق صواريخ إيران وصواريخ "حزب الله" اللبنانى ، وبما أدى إلى خلق فراغات ونقط عمياء مميتة فى نظام القبة الحديدية "الإسرائيلية" ، نفذت منها صواريخ إيران الأكثر دقة وتطورا ، والصواريخ الباليستية "الفرط صوتية" و"الانشطارية" العنقودية بالذات ، وبما ساعد إيران على رد الضربات فورا ، وإيقاع أذى مزلزل بالاستحكامات المعادية ، وتدمير عدد متزايد من طائرات التزود بالوقود الأمريكية ، وصولا إلى تدمير طائرات الإنذار المبكر "الإواكس" على الأرض ، وبما مكن نظم الدفاع الجوى الإيرانى المتواضع من تهديد وإصابة طائرات "إف ـ 35" و"إف ـ 15" و"إف ـ 18" ، والحد من خطورة السماء المفتوحة فوق إيران ، والمسيطر عليها بإطراد من سلاح الجو الأمريكى "الإسرائيلى" ، وإلى حد استخدام "البنتاجون" للقاذفات النووية من نوع "بى ـ 1" و"بى ـ 2" و"بى ـ 52" ، وقصف منشآت إيران بالقنابل الأثقل الخارقة للتحصينات من زنة 5 أطنان إلى زنة 14 طنا ، ومحاولة الوصول لتدمير المدن الصاروخية الإيرانية فى بطون الجبال ، وعلى أعماق تصل إلى 500 متر تحت الأرض ، بينما لا تستطيع قنابل أمريكا الأثقل الوصول سوى إلى أعماق تقدر بعشرات الأمتار ، وهكذا نجت مخزونات إيران الصاروخية ومصانع إنتاجها ، وبدا الأداء الإيرانى القوى ساخرا مستهزئا بإعلانات أمريكية "إسرائيلية" زاعقة ، زعمت تدمير تسعين بالمئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها ، وبنت قبابا من الأوهام حول تراجع إطلاقات المسيرات والصواريخ الإيرانية ، بينما كانت إيران تغير فى نوعية صواريخها ومسيراتها المستخدمة إلى الأشد دقة وتدميرا ، وإلى حد أن مسيرة إيرانية متطورة لا تزيد تكلفتها على 20 ألف دولار ، نجحت ببساطة فى تدمير طائرة إنذار مبكر أمريكية من طراز "3 ـ E" ، تصل تكلفة بديلتها "2 ـE " إلى 700 مليون دولار .
     والمشاهد ، أن إيران نجحت فى مزج التكتيكات الدفاعية والهجومية معا ، وردت على استهداف منشآت البترول والمصانع والطاقة بمثلها وأكثر على الجانب الآخر ، وكما جرى فى مصافى البترول بمدينة "حيفا" ، ومصانع البتروكيماويات فى المنطقة الصناعية بجوار"بئر سبع" ، ومواصلة الهجمات المدمرة المنسقة على مناطق "تل أبيب" الكبرى ، وعلى مراكز الاتصالات ومصانع الأسلحة والقواعد العسكرية "الإسرائيلية" ، وهو ما دفع "ترامب" إلى التهديد بقصف كاسح لمحطات الطاقة والكهرباء فى عموم إيران ، وكانت "إسرائيل" توالى قصفها فعلا ، وأعطى "ترامب" لإيران مهلة يومين قبل تنفيذ تهديده ، ثم مدد المهلة إلى خمسة أيام فعشرة أيام إضافية إلى 6 أبريل الجارى ، وادعى أنه بدأ المفاوضات مع من أسماهم "القادة المناسبين" فى إيران ، وزعم أنهم قبلوا لائحة شروطه بنقاطها الخمس عشرة ، فى حين قالت القيادة الإيرانية أنها لا تفاوض "ترامب" ، وأن ما جرى لا يزيد عن تبادل رسائل عبر الوسطاء فى مصر وتركيا وباكستان ، أو مباشرة من المبعوث الأمريكى "ستيف ويتكوف" إلى "عباس عراقجى" وزير الخارجية الإيرانى ، وامتنعت طهران عن مجرد مناقشة عروض "ترامب" وإدارته ، وقدمت لائحة شروط معاكسة ، تتضمن وقف الحرب نهائيا والتعويضات لإيران والقبول بإدارتها المنفردة لمضيق "هرمز". 
    ووسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات غير مباشرة برعاية باكستان فى "إسلام أباد" بدعم من الصين ، وجد "ترامب" نفسه محشورا فى المأزق الذى صنعته أكاذيبه عن محو "إيران" من خرائط الدنيا ، وعن ميل إيران لاستسلام بعد تدمير قواتها الجوية التى لم تكن موجودة أصلا ، ومن قلب فقاعة أوهامه ، فاجأ "ترامب" الجميع بإعلان عزمه الانسحاب من الحرب فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، وأعلن للمرة العشرين أنه انتصر وأنجز المهمة ، فى الوقت الذى كانت فيه حشود أمريكا تتدفق إلى المنطقة ، وبينها حاملة طائرات جديدة "جورج بوش" تضاف إلى سابقتيها "إبرهام لينكولن" و"جيرالد فورد" ، التى خرجت من الخدمة إلى عمليات صيانة مطولة فى دولة "كرواتيا" ، مع تدفق سفن إنزال برمائى ، وما يزيد على عشرة آلاف من "المارينز" والفرقة 82 المحمولة جوا والقوات الخاصة ، وبهدف معلن هو اجتياح جزر إيران فى الخليج ، وبالذات جزيرة "خارك" عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، وخوض معركة الفتح الإجبارى لمضيق "هرمز" الذى تتحكم به إيران ، أو الذهاب مع قوات أخرى إلى إغارات برية أخطر ، تقتنص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، ووسط كل هذه التحركات العسكرية الصاخبة ، أعلن "ترامب" أنه سينسحب من الحرب كلها ، وسواء وافقت إيران على شروطه أم لم توافق ، أو فتحت مضيق "هرمز" أم استمرت فى التحكم به ، وقال "ترامب" ببساطة ، أن "مضيق هرمز" ليس من شأن أمريكا ، ودعا من يستفيدون من فتح المضيق ، أن يقوموا هم بالمهمة التى تنصل منها ، وقصد بذلك شركاء أمريكا الأوروبيين الذين عارضوا ذهابه لحرب إيران.
    وبالجملة ، لم يتراجع "ترامب" فقط لعقاب الحلفاء الأوروبيين ، بل لأنه بات يدرك عواقب أى محاولة اجتياح إيران بريا جزئيا أو كليا ، وتلك مهمة تحتاج على الأقل إلى حشد مليون جندى أمريكى ، وما من ضمانات لنجاحها فى مواجهة مليون جندى إيرانى ، زادتهم إيران إلى خمسة ملايين بفتح باب التطوع فى حملة "الروح فداء لإيران" ، وربما لذلك يفضل ترامب الانسحاب من إيران إلى قوقعة أوهامه وفقاعته الشخصية وهلاوسه الخاصة ، بعد أن صدمته جدران العجز المقيم فى ميدان الحرب وأهوالها .


KANDEL2002@HOTMAIL.COM