المقصلة الصامتة: الإعدام المهني للصحفي في مصر
ليس فصلاً من العمل. إنه إعدام مهني كامل الأركان.
بقلم ...محسن هاشم
موقف مخزي بكل المقاييس..
صحف أُغلقت وصحفيون رموا في الشارع بلا عمل ولا معاش وبلا تأمينات ونقابة يفترض أنها بيت الحماية اختارت الصمت والفرجة،
صمتكم عار لن يغفره تاريخ المهنة ولا من شردتموهم.في مصر، فلا يطلق الرصاص على الصحفي، بقطع راتبه. لا يمنع من الكتابة بقرار أمني، يمنع بمنعه من دخول المؤسسة، بإسقاط اسمه من كشف التأمينات، برسالة واتساب باردة: "لا تأتِ غداً". هذه هي المقصلة الجديدة، مقصلة صامتة لا تترك دماً، لكنها تترك عائلة بلا دخل، واسماً بلا أرشيف، وقلماً مكسوراً.
خط أحمر من حبر
لأكثر من خمس سنوات ونقابة الصحفيين تكرر نفس الجملة المقدسة في كل جمعية عمومية: الفصل التعسفي خط أحمر. وقررت إحالة رؤساء مجالس وتحرير الصحف للتحقيق حال فصلهم الصحفيين تعسفياً.
خط أحمر يُكتب على ورق، ويُداس بالأقدام في المطابع.
ما الذي حدث؟ لا شيء. لا رئيس مجلس إدارة دخل تحقيقاً جاداً، ولا رئيس تحرير دفع ثمن قطع عيش زميل. النقابة نفسها اعترفت أنها تحقق حالياً مع أكثر من رئيس تحرير بسبب فصل عدد من الصحفيين بشكل تعسفي، وأنها سبق وأصدرت قراراً بشطب أحدهم. شطب واحد مقابل عشرات المذابح الصامتة في المؤسسات القومية والخاصة؟ هذه ليست مواجهة، هذه علاقات عامة.
كيف تتم الجريمة؟
السيناريو محفوظ ومكرر لدرجة الملل:
صحفي بلا عقد: تعمل لسنوات بدون عقود عمل لائقة، وهي الحقيقة التي اعترف بها الجميع، حتى يصبح طردك مجرد إغلاق لباب.
الأزمة الاقتصادية شماعة تمر المؤسسة بأزمة، فبدلاً من أن يحاسب المسؤول عن الخسائر، يُذبح المحرر. ما حدث من فصل جماعي لصحفيين بجريدة العالم اليوم وغيرها هو تعبير عن أزمات تحاول المؤسسات حلها على حساب صانعي المهنة. التأديب بالتجويع: لا يفصلك رسمياً حتى لا تدفع مستحقاتك، بل يوقف راتبك، يمنع نشر موضوعاتك، يتركك معلقاً لشهور حتى تستقيل وحدك.
في يوليو الماضي فقط، اضطر مجلس النقابة برئاسة خالد البلشي إلى إرجاء فتح باب القيد إلى 15 أغسطس، بعد أن تبين وجود حالات فصل متكررة في بعض الصحف، وقرر إخطارها لتوفيق أوضاعها والتسوية مع المفصولين. أي أن المؤسسات التي تريد أن تُقيد كصحف، هي نفسها التي تفصل الصحفيين. مفارقة وقحة.
النقابة التي تتفرج
نقابة الصحفيين تتصرف كموظف شؤون عاملين، لا كنقابة. ترسل خطاباً، تشكل لجنة، تمنح مهلة لتوفيق الأوضاع. بينما الصحفي المفصول يخسر تأمينه، وقرضه، وحقه في دخول النقابة نفسها، ويتحول من كاتب رأي إلى باحث عن شغل كول سنتر.
إن الفصل التعسفي ليس خلافاً إدارياً. هو قرار بقتل المهنة في شخص. الصحفي الذي يُطرد تعسفياً لا يفقد وظيفة، يفقد اسمه في السوق. لا أحد يجرؤ على تعيين "المشاغب" الذي طرده رئيس التحرير السابق. وهكذا يكتمل الإعدام المهني: فصل من المؤسسة، وحصار من السوق، وصمت من النقابة.
كفى بيانات. إما أن تتحول قرارات الجمعية العمومية إلى شطب فوري ومُعلن لكل رئيس تحرير يثبت فصله تعسفياً، وإما أن تعترف النقابة أنها تحولت إلى مكتب لتوثيق جرائم الفصل لا لمنعها.