د.عبد الحليم قنديل يكتب: حرب "هرمز" و"إسرائيل
قبل أسبوعين ، كتبت مقالا بعنوان "حرب هرمز الأخيرة على الأبواب" ، وهو ما تقاطرت بوادره بالنار فى الأيام الأخيرة ، فبعد إعلانات متواترة من أقطاب الإدارة الأمريكية عن وقف قصف إيران ، والاكتفاء بخنقها اقتصاديا ، عاد القصف الأمريكى على إيران...
قبل أسبوعين ، كتبت مقالا بعنوان "حرب هرمز الأخيرة على الأبواب" ، وهو ما تقاطرت بوادره بالنار فى الأيام الأخيرة ، فبعد إعلانات متواترة من أقطاب الإدارة الأمريكية عن وقف قصف إيران ، والاكتفاء بخنقها اقتصاديا ، عاد القصف الأمريكى على إيران ، وبدءا من محيط "مضيق هرمز" ، وجرى قصف جزيرة "لارك" الإيرانية عند مدخل "هرمز" ، وبدعوى وجود "رادارات" وشبكات اتصال وصواريخ حاملة للألغام ، ثم توسعت الهجمات ، وشملت جزيرة "قشم" وميناء "بندرعباس" و"سيريك" فى محافظة "هرمزجان" إضافة لمواقع أخرى فى "بوشهر" و"سيستان بلوشستان" ، وعلى امتداد 2400 كيلومترا على شواطئ إيران الجنوبية ، وبدت خرائط الهجمات الأمريكية المتجددة ، وكأنها تكرار لما جرى قبل أسابيع فى "حرب الأسبوعين" وقصف الليالى الثلاثة عشر ، وجرى الحديث مجددا عن "جزالعشب" الإيرانى ، أى التدمير أولا بأول لموارد الخطر الإيرانى على الملاحة فى "مضيق هرمز" ، وواصل الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" مزاعمه عن السيطرة شبه الكاملة على "مضيق هرمز" ، وعن حرية ملاحة السفن والناقلات فى ممره السرى المحمى بالقرب من شواطئ "سلطنة عمان" ، وعن تدفق هائل للبترول إلى الأسواق عبر المضيق ، وهو ما جاءت تقارير هيئات الرقابة البحرية لتكذبه ، وتقول أن حركة الملاحة فى المضيق لا تزال محدودة ، وهو ما تريد إيران وقفه تماما ، وقصر حرية العبور على ممراتها وبشروطها ، وعلى نحو ما فعلت فى إعفاء السفن والناقلات القادمة من العراق كاستثناء سياسى محسوب .
وفى المواجهات النارية الجديدة ، بدا الاختلاف ظاهرا ، فالجيوش الأمريكية تتحرك ، وكأنها قادرة على ضبط إيقاع الاشتباكات ، والتحكم فى ردود الفعل ، وهو ما تصرفت القوات الإيرانية على العكس منه بالضبط ، وتوسعت فى نطاق الهجوم جغرافيا ، وفتحت أربع جبهات فى وقت واحد ، وباتجاه "القواعد الأمريكية" بالمنطقة ، من "الأردن" و"أربيل" إلى "الكويت" و"البحرين" ، مع شن هجمة مسيرات باتجاه "الإمارات" ، وفيما يقلل الأمريكيون من الأثر الفورى لهجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية ، فإن "الحرس الثورى " الإيرانى يتحدث عن إصابات مباشرة مؤثرة ودقيقة ، وهذا التناقض فى الإعلانات مألوف جدا فى أوقات الحروب ، وقد سبق للأمريكيين بالذات ، أن أعلنوا فشل الهجمات الصاروخية الإيرانية على قواعدهم بالمنطقة ، ثم جاءت صور الأقمار الصناعية المفرج عنها وتقارير المخابرات ووسائل الإعلام الأمريكية الكبرى ، وأكدت حدوث دمار هائل فى نحو عشرين قاعدة أمريكية ، وتحطيم محطات "الرادار" والدفاع الجوى وصواريخ "باتريوت" و"ثاد" والقاذفات على الأرض ، وهو ما قد يستغرق إصلاحه سنوات ، إضافة للنفاد المتسارع للذخائر والصواريخ الهجومية الأمريكية .
والمعنى ببساطة ، أن إيران تبدو عازمة على توسيع نطاق الاشتباك ، وربما فك الحصار البحرى الأمريكى بالقوة ، واستثمار ظروف الهجمات الأمريكية المتكررة ، وقد لا يقارن عاقل بين الحجم الهائل للقدرات الأمريكية جوا وبحرا مع نظيرتها الإيرانية الأقل بكثير ، وإن كانت الوقائع الحربية أثبتت ، أن الأمريكيين لا يفوزون أبدا فى الحروب غير المتماثلة أو غير المتكافئة ، وبالذات إن كان الخصم فى مثل حالة إيران ، التى صنعت أسطورة صمود مذهلة ، بعد قطع الرأس الإيرانى فى أول ساعات الحرب الجارية المتصلة ، وقتل المرشد الإيرانى الراحل "على خامنئى" وعشرات من القادة العسكريين الكبار ، لكن نظام "الجمهورية الإسلامية" استعاد تماسكه سريعا ، وصنع لنفسه رأسا جديدة روحية وسياسية وعسكرية وتكنولوجية ، وبدا أكثر تشددا وأعظم جرأة ومخاطرة ، فيما لم يستوعب الأمريكيون الدرس أبدا ، وراحوا يكررون ذات المساعى ، ويعرضون مكافآت بعشرات الملايين من الدولارات مقابل معلومات ، تقود إلى قطع رأس المرشد الجديد "مجتبى خامنئى" وكبار قادة "الحرس الثورى" والجيش ، وبافتراض مقدرة الأمريكيين على ارتكاب هذه الجرائم مجددا ، فإنها قد لا تعنى شيئا كثيرا فى مسعى إضعاف وتفكيك المقدرة الإيرانية على الصمود ، ولا فتح الباب لإسقاط النظام ، مع وجود تأييد شعبى واسع النطاق ، يستفزه الإحساس بالخطر على بقاء إيران وسلامة الوطن الإيرانى المهدد ، فيما يواصل "ترامب" هلاوسه عن "مسح" و"محو" إيران ، وإعلان انتصارات كاسحة ، لم يأخذ بها أحد علما ولا خبرا يقينا .
وأهم إنجاز حققته إيران بعد نحو سبعة شهور من الحرب ، أنها حطمت بصمودها ما يقال له "هيبة أمريكا" فى العالم ، التى يساعد "ترامب" نفسه على تحطيمها بغروره وحماقاته ونزواته الطفولية ، التى جعلت أقرب حلفاء أمريكا فى موقع المتربص بها ، على طريقة "كندا" جارة أمريكا ، التى يحاول "ترامب" مسح وجودها المستقل ، وضمها إلى أراضى الولايات المتحدة كالولاية الواحدة والخمسين ، ويغير اسم بحيرة "أونتاريو" الموجود قبل استقلال أمريكا نفسها بمئة وخمسين سنة ، ويسميها "بحيرة أمريكا" ، تماما كما غير اسم "خليج" المكسيك المجاورة ، وجعله على خرائطه "خليج أمريكا" ، وإلى غيرها من وقائع التزوير المتبجح المدفوع بمرض "جنون العظمة" ، وهو ما له علاقة ـ طبعا ـ بما فعل ويفعل مع إيران ، فقد سبق له أن أسمى "مضيق هرمز" باسم "مضيق ترامب" ، وأسماه بالأرض الأمريكية الجديدة على خرائط مولدة بالذكاء الاصطناعى ، وليست مفارقة ، أن تستفيد إيران من جنون "ترامب" الموصوف ، وأن تكسب إلى جوارها قوى كبرى ، أهمها الصين وروسيا ، كما بدا فى قمة "قرغيزستان" الأخيرة لتحالف "شنجهاى" ، الذى حضره الرئيس الإيرانى "مسعود بزشكيان" ، وحظى بدعم علنى حار من الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" ، ومن الصين العظمى طبعا ، التى أحبطت محاولة أمريكا دفع "مجموعة العشرين" لدعم موقفها الساعى لخنق الاقتصاد الإيرانى وخلع النظام ، ورغم أن الاجتماع عقد على الأراضى الأمريكية ، فقد فشلت واشنطن فى دفع الآخرين لمشاركتها فى خنق إيران ، واكتفت باستصدار بيان رئاسى يخصها ولا يلزم الآخرين ، وخصوصا "الصين" التى ترفع راية التحدى ، سواء فى "مجموعة العشرين" ، أو حتى فى أروقة مجلس الأمن ومناقشاته الأخيرة حول البرنامج النووى والعقوبات على إيران ، وهددت ضمنا هى وروسيا باستخدام "حق الفيتو" لإحباط مقترح غربى قدمته "فرنسا" .
وقد لا تخفى علامات خسران "ترامب" لحروبه ضد إيران ، حتى فى أوساط الرأى العام الأمريكى ، الذى تدنت معدلات تأييده لحرب أمريكا الخاسرة إلى 36% فى استطلاعات رأى أخيرة ، وتدنت معدلات تأييد "ترامب" نفسه إلى 33% ، وهو ما قد يعزز احتمالات خسارة "الحزب الجمهورى" لأغلبيته الراهنة الطفيفة فى مجلسى "النواب" و"الشيوخ" خلال انتخابات التجديد النصفى أوائل نوفمبر المقبل ، وفيما يحاول "ترامب" التغطية على مخاوفه من أثر الانتخابات ، فإنه اعترف بالخشية من فوز خصمه "الحزب الديمقراطى" فى الانتخابات القريبة ، وإمكانية تكرار "الديمقراطيين" لسيناريوهات محاكمته وعزله ، أو تحويل سلطاته الرئاسية على الأقل إلى وضع "البطة العرجاء" ، إذا فاز الديمقراطيون على الأقل بأغلبية المقاعد فى "مجلس النواب" ، وهو الاحتمال الأكثر توقعا إلى الآن .
وإضافة لما سبق كله ، تبدو آلة الحرب الأمريكية فى وضع الفوضى والاضطراب غير المسبوق ، وبالذات بعد إقالة أو استقالة قائد الجيش الأمريكى بضغط من وزير الحرب "بيت هيجسيث" ، والأخير شخص أرعن تماما ، يتخبط فى قراراته ، ويسحب من رصيد "ترامب" المهدد بالنفاد ، ولا يستبعد أن يتخلص منه "ترامب" نفسه ، ويحمله مسئولية الخسارة فى الحرب الأمريكية المتجددة على "إيران" ، وهو ما قد يفسر لجوء وزير الحرب ، وهو مجرد مذيع سابق فى محطة "فوكس نيوز" اليمينية ، ويحاول الآن فى مأزقه ، أن يستنجد بنفوذ "اللوبى الصهيونى" لدعمه فى مواجهة احتمالات الإقالة ، ويعلن الاستعداد لتلبية مطالب حكومة "بنيامين نتنياهو" فى حيازة طائرات "إف ـ 47" من الجيل السادس ، رغم أن الطائرات المذكورة لا تزال بعد فى أطوار التصنيع والتجارب ، ولم تدخل إلى الخدمة بعد فى الجيش الأمريكى نفسه .
وقد لا يصح لأحد أن ينسى أو أن يتناسى ، أن الحرب الراهنة على إيران هى فى الأساس "حرب إسرائيلية" جرت وتجرى بجيوش أمريكية بينها جيش كيان الاحتلال ذاته ، الذى لا يستبعد أن يعود إلى المشاركة الرسمية فى قصف إيران أو فى مهام اغتيالات القادة الإيرانيين ، وهو ما قد يرى فيه "نتنياهو" دعما لفرصه المتآكلة فى العودة لرئاسة حكومة "إسرائيل" بعد انتخابات "الكنيست" المقررة فى أواخر "أكتوبر" المقبل ، ويسعى "نتنياهو" إلى تعويض تراجعه وتراجع حزبه "الليكود" فى استطلاعات الرأى ، ويعيد إشعال حروب الدمار والإبادة من "غزة" و"الضفة" إلى "لبنان" و"سوريا" ، وربما ذهابا مجددا إلى حرب إيران ، وتحسن إيران صنعا ، لو أنها التقطت الفرصة ، وبادرت إلى شن ضربات بصواريخها الأكثر تطورا على كيان الاحتلال ، وعلى القواعد الأمريكية الكبرى فى "إسرائيل" ، التى هى فى ذاتها أكبر قاعدة أمريكية فى الدنيا كلها ، وإنا لمنتظرون .
Kandel2002@hotmail.com