⛅ جاري تحميل الطقس…
آخر الأخبار
أقلام حرّة
بواسطة Tahataha 51 مشاهدة 7 دقيقة قراءة

أيمن السيسي يكتب: منابت الراحة في رحلة متعبة 3-3

عتب وملاحظات تلميذ باحث

أيمن السيسي يكتب: منابت الراحة في رحلة متعبة 3-3
صورة توضيحية
مشاركة

 

د أيمن السيسي 

 


كانت رحلتي  الأخيرة إلى موريتانيا نزهة وسياحة علمية وفكرية متميزة ومكثفة ، فعلى مدى عشرين يوما تقريبا  لم  أجد وقتا كافيا يوميا   للنوم والراحة سوى ساعتين أو اربع على الأكثر    بسبب كثرة المواعيد ودوام التنقل ، ورغم ذلك لم أرو عطشا كبيرا ولم أشبع نهما متأصلا  في الروح والقلب للتلقي و الإستزادة من العلم والمعرفة ،  لكثرتها في موريتانيا  بقدر رمال الصحراء ولعمقها بعمق أبار تشيت وشنقط وولاته ، وأعترف أني لم أجد في وطننا العربي – باستثناء مصر -  نخبة أكاديمية ضليعة ومستبحرة وعميقة في علومها مثل النخبةالعلمية الموريتانية ، ، صحيح في العراق علماء وفي سوريا وفي المغرب والجزائر والسودان ولي في كل هذي البلدان أساتذة لي وزملاء ، لكنهم أفراد ، إنما في موريتانيا – مثل مصر – كتلا علمية نخبوية عظيمة ، على الأقل فيما تعلمت منهم في حقوله ( الفقه والتاريخ والمخطوطات   ) ، ومنهم أساتذة  لم تكتحل عيني برؤيتهم  في هذه الزيارة وإن سعيت وتمنيت ، ومنهم أساتذتي  الدكاترة العلماء  محمد ولد البرناوي ، وحماه الله ولد السالم ويحيى ولد البراء ومحمد المختار ولد السعد ،  وكنت أود أن تجمعنا  حلقة نقاش جماعية لأستزيد من علمهم وأبدي  بعض ملاحظاتي كتلميذ في هذه الحقول وباحث .وطالما أكتب عنها  في حضرة هؤلاء العلماء العظماء ، فإنني بكل تبسط وتأدب - ولا أقول تواضع - أستسمحهم في غفران ما قد يرونه  تجرؤا  فيما أضعه الآن بين أياديهم الطاهرة، وأمام أعينهم الفاحصة ، لأنني اشتغلت علي الدراسة بغية المعرفة أولاً، وهم وأساتذتي في مصر وعلى رأسهم المؤرخ الجليل الدكتور خلف الميري والدكتور إبراهيم جلال ، علموني ، أن كتابة التاريخ  نشاط معرفي وليست فناً لكسب العيش.
وقد تحريت  في كل ما أكتب  محاولة تحقيق مهمة معرفية كإجابة لإشكالية صادفتها كثيراً علي مستويين: العمل المهني الميداني – الصحافة - والعملي الأكاديمي، وتتمثل في الغياب شبه التام لتاريخ وتأريخ مجتمعات أطراف الوطن العربي أوبمعنى أوضح  إشكالية تغييب الهامش عن المركز. 
   و تجيء  ملاحظاتي –مما أكتسبت معرفيا - على التأريخ المنهجي الموريتاني للحوادث والأحداث ، والألفاظ والجهات والمصطلحات ، فبرغم وجود الكثير من العلماء أصحاب الفيض العلمي إلا أن أغلبهم لم يهتم كثيراً بتسجيل تاريخ البلاد بشكل حيادي مجرد أو عام  ولابالنتاج العلمي التجديدي لفقهاء الأمة اهتماما يليق به. 

 فاعتمادهم على  المخطوطات ينحصر في نسخ متعددة لنفس الموضوعات فبرغم أن أغلبه تعمدي،  إلا أنني لاحظت  عليهم  الإغراق في الأخذ من عدد محدود من المصادر والحوليات المنشورة أو المتداول مخطوطاتها وكذلك تقارير الرحالة والضباط الفرنسيين ،   ولذلك،  فإنني ببعض عتب المحب الشفيف، أري الإغراق في الأخذ من حوادث السنين (الحوليات)، وعنعنة النقل، أوقفتهم عندما عاد به الحجاج وتناقله البعض حول رحلات الحج وهي أيضا قليلة – وعند أخبار الإغارات والقتل والنهب وفرض المغارم والمؤامرات داخل الأسر الأميرية وهي كثيرة، وشياخات القبائل وغيرها وقد سبقنا في السؤال  أستاذنا الدكتور عبد الودود ولد عبد الله – ددود – عن تراكم التشابهات وتعمد التكرار المخل والممل أحياناً، لمشاهد الحركة المجتمعية، أو كما يقول هو: هل كانت المدونة التي أنتجها القوم مجرد تكرار لنصوص سابقيهم أم كان ثمة جديد نشأ عن التفاعل بين النص وسياقه؟! وفي تقديري أن هذا السؤال يقع محل الجواب التقريري،  وأري أن هذه الإشكالية  تعيد إنتاج تصور بدوي ونَفَسْ تاريخي اشتهائي لتكريس وإعادة تجذير مرغوبات قبلية، أهمها ما يعمل علي القطيعة بين تاريخين قديم حقيقي أصلي أول وحديث متلون – لا نقول مزيف – أي طارئ أو مستحدث. ولاشك أن هذا السؤال/الإجابة، واضح وضوح الشمس لكل قارئ لمدونات وحوليات، مؤرخات الكتاب والمؤرخين الموريتانيين،    ، أيضا توقفت حركة المؤرخين و الباحثين الجدد وجهد "المؤلفة علومهم" وحركة التنقيب والتقليب، عند ذات المصادر ونفس المخطوطات، ، وهنا أرى عدم اكتمال "حركة اكتشاف المخطوطات بعد، فمازالت "الأجولة" في جوف الصحراء تحظي بالكثير من ذخائر المخطوطات  ، دون التصدي للبحث و لفحص واستجلاب  مخطوطات أخري قد تكون أكثر أهمية في هذا الاتجاه أو تكون قد سجلت  ما يمكن  يكمل البنية  التأريخية  كي تلتئم الأحداث ويترمم "شبه" الإجماع، سواء في التدوين الحيادي والمجرد للأحداث والشخصيات  أو في تحديد هوية البلاد ذاتها ، أو إلتقاط إرهاصات التجديد  لمجتهدي المناطق المختلفة في الصحراء  من الشيوخ والفقهاء المعتبرين، وهم كثر  و البناء عليه للقفز للأمام بالنسبة  ، وأيضا لم يتطوع أحدهم  بدراسة المخطوطات غير الموريتانية، أو  في غير موريتانيا ، فقد نجد  فيها ما يساعد علي ترميم التاريخ وبيان عظم اجتهاد الموريتانيين اللذين برعوا  وأحدثت كتاباتهم إرهاصات التجديد، وهنا أحيي أستاذنا الدكتور محمد المختار الهادي مديرالهيئة العامة للأرشفة و الوثائق   على إبداء رغبته وتحمسه للتنقيب وأشجعه عليها وأعتقد أن هذا الوزير الفذ الحسين ولد  مدو  سيسهم   بامكانيات وزارته في إنجاز مثل  هذا المشروع ، و أنا  شخصيا أضع نفسي وجهدي تحت تصرفهما خدمة للتاريخ الموريتاني وردا لجزء من فضل العلم  ، ويحسب للدكتور الحسين ولد مدو أنه الوزير الوحيد الذي زاح عن وجه الثقافة والفقه والأثار في موريتانيا غبار السنين  ، فعاد إشعاعها الثقافي يرى النور في بقاع أخرى من العالم لم تعد تعرف هذه الصحراء ولاقيمتها العلمية  ، و أعاد تفعيل التعاون مع البعثات الأثرية وبدأ بأهم المواقع وهي أزوكي ، ولكن هناك مواقع على نفس القدر من الأهمية وهي "كومبي صالح " عاصمة غانة  و غيرها من المواقع الهامة  ، حتى لا يركن أساتذتنا  إلى المكتوب فقط  ويعتمدون إلى البحث الأركيولوجي  لأهميته   ، والوحيد الذي انتبه لذلك وعمل علبه -حسب علمي - هو أستاذنا الدكتور أحمد مولود أيده الهلال، ، ودون ذلك يمكننا القول أن تاريخ موريتانيا حتي الآن لم يُكتب بعد.
الملاحظة الهامة أيضا لي كباحث غير موريتاني ، و أتمنى من أساتذتي الموريتانيين معالجتها   وهي ضرورة ضبط  المصطلحات  والألفاظ المُطلقة ، و تحديد الجهات  الأربعة  تحديدا جغرافيا دقيقا كما هو معلوم في أرجاء العالم ، وليس تحديدا مبني على الثقافة الشعبية في الجهات ، حتى لا يقع أمثالي من غير الموريتانيين  في  غرابة المصطلح والاصطلاحات   والتحديد الخاطئ للجهات، خصوصاً وأنها تختلف كلياً مع التحديد الجغرافي للجهات الأربعة في كل أنحاء العالم، وقد انتبه المقدم دييجو بروسيه الحاكم الإداري الفرنسي لموريتانيا –إبان الإحتلال – إلى فوضى  تحديد الجهات بقوله: لا يعود إلي سبب مفهوم السمت أو إلي حركة الكواكب والنجوم، بل يعود إلي سبب جغرافي واقتصادي شعبي . ، هو مفهوم كثقافة شعبية ومصطلحات مناطقية ، ولكنها مربكة للباحثين –غير الموريتانيين -  يحيرهم ويعجزهم عن الربط الشافي المفيد والتلقي المحدد الدقيق للمعرفة  ، ففي الترارزة مثلا  يطلق لفظ "القبلة"  علي الجنوب، ويجيئ لفظ  القبلة في نصوص الترارزة  عن الترارزة الكحل (السود)، وينتهي د. سيد أحمد ولد أحمد سالم إلي أن لكل منطقة في موريتانيا  قبلتها أو جهتها الجنوبية! التي تُطلق عليها لفظ "القبلة" فتعيين الجهات وتحديدها جزء من هذا الاختلاف. فلئن اتفق  متكلمو اللهجة الحسانية وفي الألفاظ الدالة علي الجهات الأربع، فإنهم يختلفون في مدلولاتها، فالجزء الغربي من بلاد البيضان بدءاً من الساقية الحمراء، فتيرس، فباطن أدرار، إلي إينشيري، إلي منطقة الترارزة (القبلة) فجنوب البراكنة وكوركول يطلقون (شرك) علي الشرق، ويطلقون علي الغرب كلمة "ساحل"، ويطلقون علي الجنوب كلمة (قبلة)، وعلي الشمال "تل" ،أما سكان مناطق بلاد البيضان الأخري بدءاً بظهر أدرار حتي تكانت، فأجزاء من منطقة البراكنة، فالعصابة، فالحوضين الغربي والشرقي، فإنهم يطلقون لفظ "شرق" علي الجنوب، و"ساحل" علي الشمال، و"تل" علي الشرق، و"قبلة" علي الغرب.
وقد صعب علي الدكتور سيدي أحمد بن أحمد سالم  فهم هذا الاختلاف الحاصل بين مناطق المجتمع البيضاني حول تحديدهم للجهات ولم يجد له تفسيراً!!  أما الإزدواجية في أسماء الأعلام والجهات   ، وازدواجية النطق والكتابة،  مثل كلمة شرق و شرك ، وأيضاً رزق  و رزك، وحتي الاسم الذي عُرفت به البلاد "شنقيط" يكتب باختلافات، شنكيطي، شنقيط، شنجيط. ومنها التجاهل للبطل الأشم أبو بكر بن عامر، قائد المرابطين المجاهد. وعدم حسم علاقة القرابة بينه وبين يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، فمنهم من يدعيه ابن أخيه، ومنهم من يذكر أنه ابن عمه. فضلاً عن عدم حسم اسم أبو بكر بن عامر نفسه، هل هو ابن عمر أم ابن عامر. وهذه ليست تفسيرات مختلفة للتاريخ ولكنها كتابة التاريخ بالمزاج .. وليس هناك ما يبرر الأختلاف في الأسم  ولا في نطقه ، خصوصا إن كنا نتعامل في حقل علمي أكاديمي ، ولهذا، فإن الأوجب ضرورة الاتفاق علي مدونة سلوك كتابي وتعريفي وضبط للمصطلحات حتي لا يقع الباحث من غير بلادهم في أزمة البحث عن حل أو تفسير، وأثناء محاولاته لتفكيك هذه الاختلافات