عبد الصبور شاهين : مفجر ثورة أبي آدم ...رائد اللسانيات
د. عبد الصبور شاهين فقيه التحولات المعرفية عرّاب الحاسوب ورائد اللسانيات الحديثة - جذور المنصورة وامتداد الفكر.. وريث المماليك وحافظ اللوح في الكتّاب - لسان مالك بن نبي ومترجم دستور الأخلاق - خطيب العاصمة وبعبع المثقفين في ساحة الحسبة - بقلم/ شعبان...
د. عبد الصبور شاهين
فقيه التحولات المعرفية عرّاب الحاسوب ورائد اللسانيات الحديثة
- جذور المنصورة وامتداد الفكر.. وريث المماليك وحافظ اللوح في الكتّاب
- لسان مالك بن نبي ومترجم دستور الأخلاق
- خطيب العاصمة وبعبع المثقفين في ساحة الحسبة
-
بقلم/ شعبان مصطفى قزامل
تتبلور في بعض السير ملامحُ أجيالٍ كاملة، وتنطوي تحوّلاتها على مرآةٍ صادقة لحركة المجتمع وتقلّبات الوعي الفكري؛ وفي هذا السياق تأتي سيرة الدكتور عبد الصبور شاهين بوصفها نموذجًا كثيف الدلالة، تتقاطع فيه مسارات الفكر والدعوة والسياسة في نسيجٍ واحد.
امتدّت حياته على إيقاعٍ حافل بالتحولات الفكرية والاحتدامات الثقافية، حتى غدت تجربته علامةً فارقة في وجدان النخبة ودوائر المتلقّين على السواء. هو من طراز العلماء الموسوعيين الذين لم تنحصر تجربتهم في فضاء الجامعة، بل انفتحت على المنبر، فجعل من مسجد عمرو بن العاص ساحةً حيّة للتأثير والتوجيه، ومنطلقًا لتجريب رؤيته اللسانية الحديثة في مقاربة النص القرآني.
تنقّل بين عوالم متداخلة من العلم والدعوة والشأن العام، فمرّ بتجربة الاعتقال في مقتبل العمر، ثم انخرط في العمل البرلماني في مرحلة النضج، وظلّ طوال مسيرته شديد التمسّك بمواقفه في مواجهة تيارات التغريب، منافحًا عن العربية بوصفها وعاء الهوية وذاكرة الأمة.
جاء عطاؤه العلمي مشدودًا بين النظرية الأكاديمية واتساع الإنتاج، فتجلّى في صياغة مصطلحات حديثة استقرّ بعضها في الاستعمال، مثل الحاسوب، كما برز في ترجماته لأعمال مالك بن نبي ومحمد عبد الله دراز، فضلًا عن حضورٍ علمي مشترك جمعه بزوجته في مشروع معرفي لافت.
ومع ما أثارته بعض أطروحاته وكتاباته من جدلٍ واسع، لا سيما في القضايا الفكرية الحسّاسة كقضية نصر حامد أبو زيد وكتاب أبي آدم، فإن مقاربة تجربته تظلّ مرتبطة باجتهاد واسع امتدّ عبر أكثر من سبعين مؤلَّفًا أثرت المكتبة الإسلامية والفكرية.
سيرته، في جوهرها، شهادةً حيّة على تشكّل العقل العربي المعاصر في لحظاته الملتبسة، حيث يتشابك الديني بالسياسي، ويتجاور الأكاديمي مع التراثي، في فضاءٍ شديد الاضطراب والتحوّل؛ حتى بدا صاحبها حاضرًا في قلب العاصفة، فاعلًا ومؤثرًا، مجادلًا ومفسّرًا، تاركًا في كل حقلٍ خاضه أثرًا عميقًا يتمنّع على المحو السريع.
وفي هذا الامتداد عبر عقودٍ من التكوين والمحن والعطاء، يتجاور اللغوي الغائر في بنية الدلالة والصوت مع الخطيب المتمكّن، والمترجم المنفتح على آفاق الفكر الإنساني، في سيرة ثرية انتهت من حيث الحياة، لكنها ظلّت مفتوحة على التأويل وإعادة القراءة.
الميلاد والنشأة
على الرَّغم من أن حي الإمام الشافعي بالقاهرة كان مسرحاً لولادة المفكر اللغوي الكبير الدكتور عبد الصبور شاهين، يوم الثامن عشر من مارس عام 1929م، إلا أن جذوره العائلية تتجه بوصلتها أصالة إلى محافظة الدقهلية؛ حيث استقت عروقُه مادتها الأولى من قرية "الخيارية" مركز المنصورة. فإليها ينتمي أبواه؛ ومنها شدَّ والده الشيخ محمد موسى شاهين رحاله صوب العاصمة غداة تخرجه في الأزهر الشريف، وفي ثراها نبتت والدته في بيت عريق؛ فجدتها هي ابنة شقيقة أمير السيف والقلم الشاعر إسماعيل باشا صبري. وإلى جوار هذا المحتد الدقهلاوي، ينعطف نسبه من جهة الأب نحو صفحة قانية من تاريخ مصر الحديث؛ فجده الأكبر شاهين بك، كبير المماليك في عهد محمد علي باشا، أول من طواه الموت في واقعة مذبحة القلعة الشهيرة أول مارس 1811م.
بدأت مسيرته التعليمية بدخول الكُتاب في سن الثالثة، وأتم حفظ القرآن الكريم كاملاً في سن السادسة وثمانية أشهر، مستعينًا بحافظة فوتوغرافية لاقطة تمكنه من استظهار اللوح بقراءته مرة واحدة. التحق بالمعهد الأزهري الابتدائي في الحادية عشرة من عمره، وتدرج في التعليم الأزهري حتى نال الشهادة الثانوية الأزهرية عام 1951م. وفي عام 1943م، وأثناء صلاته مع والده الذي كان إمام وخطيب مسجد الإمام الشاطبي في المقطم، أصاب الوالد ضعف مفاجئ في عينه أعجزه عن قراءة الخطبة، فنادى ابنه عبد الصبور ليصعد المنبر ويتم الخطبة ويصلي بالناس ففعل.
ونظراً لخلو المناهج الأزهرية حينها من اللغات الأجنبية، التحق بمدرسة الرابطة الفرنسية في حي الغورية لتعلم الفرنسية وأتم دراستها وهو في السنة الرابعة بالمعهد الديني، ثم تطلع لمواصلة الدراسة العليا فتقدم لكلية الحقوق الفرنسية في حي المنيرة ودرس بها ثلاث سنوات، حتى ألغى الدكتور طه حسين -وزير المعارف آنذاك- وجود الكلية بمصر رداً على موقف فرنسا من إنشاء معهد فاروق الأول في الجزائر، واشترطت فرنسا امتحان الطلاب في باريس، فلم يذهب لارتباطه بالدراسة في القاهرة. التحق بكلية دار العلوم، ووفق بين دراسته الصباحية فيها ودراسته المسائية بالحقوق الفرنسية، وتخرج في دار العلوم سنة 1956م، متأخراً عن دفعته عاماً بسبب ظروف سياسية. حصل على دبلوم من كلية التربية عام 1957م، ثم نال الماجستير عام 1962م برسالة "الأصوات في قراءة أبي عمرو بن العلاء"، ونُشرت باسم "أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي". ثم حصل عام 1965م على الدكتوراه برسالة "دراسة صوتية في القراءات الشاذة"، ونُشرت في كتابين هما "تاريخ القرآن" و"القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث".
وكان الدكتور عبد الصبور شاهين من تلاميذ الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) المخلصين، وقد تأثر بمنهجها اللغوي والدعوي.
من خلف القضبان لرحاب دار العلوم
تداخلت الميول الصحفية المبكرة للدكتور عبد الصبور شاهين مع تطلعاته الفكرية والسياسية خلال سني دراسته في المعهد الديني، الأمر الذي فتح له أبواب الكتابة في مؤسسة أخبار اليوم ومجلة روز اليوسف. وعند انتقاله إلى كلية دار العلوم، وضعت الحركة الطلابية ثقتها فيه ليقود تحرير مجلة الاتحاد، فنهض بمهامها مستثمرًا طاقته في صياغة الوعي الطلابي. غير أن هذه الديناميكية، المتسقة مع انتمائه التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، جعلته في موضع الاصطدام المباشر مع التحولات السياسية العنيفة التي شهدتها مصر في منتصف الخمسينيات.
توقف مساره الأكاديمي قسريًا في عام 1955م، حين سِيق إلى السجن ليمضي عامًا كاملًا وراء الأسوار، مما ترتب عليه إرجاء تخرجه الجامعي وتأخره عن زملائه. لم تكن تلك المواجهة سوى الفصل الأول في كتاب محنته السياسية؛ إذ تجدد الاعتقال في عام 1965م إبان حملة التطهير السياسي الواسعة التي شنها النظام الناصري. في تلك المرة الثانية، لم يكن شاهين طالبًا منفردًا، بل دخل الزنزانة تاركًا خلفه زوجة وأطفالًا يتحملون عواقب غيابه. وقد أفاض في تدوين تفاصيل هاتين الرحلتين القاسيتين بين غياهب السجون في كتاب مذكراته الشخصية الذي رأى النور بعد رحيله، واصفًا مرارة التجربة وأثرها في تشكيل صلابته الفكرية، وكيف صقلت سنوات العزل عزيمته وجعلته يقبل على معارك المستقبل بقلب لا يعرف التردد ولا التراجع عن مبدأ يراه حقًا.
خلوة الخمسين عامًا في محترَف الجيزة
شهد عام 1960م تحولاً أساسيًا في السيرة الإنسانية والعلمية للدكتور عبد الصبور شاهين، حين ارتبط بالسيدة إصلاح عبد السلام الرفاعي، الخريجة من كلية دار العلوم، والتي تميزت في محيطها الأكاديمي بكونها المحجبة الوحيدة في الكلية في ذلك العصر. هذا الزواج تجاوز الأطر الأسرية التقليدية ليتحول إلى معمل بحثي مشترك، ومسيرة تعاون علمي امتدت خمسين سنة وعدة شهور من الوفاق التام والإنتاج المشترك. كان شاهين يعبر عن عمق هذا الاستقرار الإنساني وأثره في شحذ همته، ويوجه نصيحته للشباب مقترنة بتجربته الشخصية حين كان يقول: "أنا وزوجتي كلَّ يوم كأن حياتنا تُستقبلُ من جديدٍ".
من داخل منزلهما الهادئ في منطقة حدائق الأهرام بمدخل خوفو، أدار الزوجان مشروعًا تآليفيًا طويل النفس، تقاسما فيه مراجعة النصوص واستقصاء المرويات التاريخية. أثمرت هذه الخلوة المعرفية موسوعات كبرى رفدت المكتبة الإسلامية، وفي مقدمتها "موسوعة أمهات المؤمنين: دراسة في سيرهن ومروياتهن" الصادرة عام 1991م، وموسوعة "صحابيات حول الرسول صلى الله عليه وسلم" عام 1993م. ولم يتوقف الجهد المشترك عند هذا الحد، بل امتد ليشمل تصنيف "مفصل آيات القرآن: ترتيب معجمي" الصادر عام 1991م، بالإضافة إلى موسوعة "مصر في الإسلام" المكونة من ثلاثة مجلدات، وسلسلة "نساء وراء الأحداث" التي ضمت عشرة كتب تبحث في السير النسائية المؤثرة تاريخيًا، فكان بيتهما بمثابة خلية نحل معرفية تتكامل فيها الرؤى وتتوحد الأقلام لإخراج تراث ضخم يتجاوز الحدود الزمنية الضيقة.
عرّاب الحاسوب ورائد اللسانيات الحديثة
استوى عود الدكتور عبد الصبور شاهين الأكاديمي في مدرجات كلية دار العلوم جامعة القاهرة أستاذًا باحثًا ومشرفًا على مئات الأطروحات العلمية. وهو يشرح لطلابه كان في صوته كمية سكينة لا توصف.
امتد أثره التدريسي خارج الحدود المصرية، فأُعير للمشاركة في تأسيس جامعة الكويت من عام 1969م إلى 1973م، ثم سافر معارًا مرة ثانية إلى المملكة العربية السعودية ليعمل أستاذًا بقسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بين عامي 1979م و1983م. تخرجت على يديه قامات علمية بارزة، كان في طليعتها الأستاذ الدكتور عبد الله عبد الحميد بن سويد عام 1975م، الذي صار من كبار علماء اللغة بجامعة طرابلس وامتدت مسيرته هناك حتى عام 2016م.
تميز شاهين بكونه من أوائل الذين جسروا الفجوة بين علوم القراءات والتراث القرآني وبين مناهج علم اللسانيات والصوتيات الحديثة، متأثرًا بأطروحات الدكتور إبراهيم أنيس. تجسد هذا التوجه في كتبه المرجعية ومنها "المنهج الصوتي للبنية العربية: رؤية جديدة للصرف العربي" عام 1977م، و"في علم اللغة العام" عام 1990م، و"في التطور اللغوي" عام 1991م، وكتاب "عربية القرآن" عام 1997م، وكتاب "دراسات لغوية" عام 1976م. ولم يكن انشغاله باللسانيات ترفًا نظريًا، بل انطلق من رؤية تعتبر اللغة حصنًا للهوية، مما دفعه لإصدار "التحديات التي تواجه اللغة العربية" عام 2002م، و"قضية التدريس باللغة العربية في المعاهد العلمية" عام 1996م، وكتاب "النهوض باللغة العربية في مختلف المراحل التعليمية" عام 2001م. ومن أبرز إسهاماته التي أقرتها المجامع العلمية، صياغته التوليدية لمصطلح "حاسوب" كبديل عربي دقيق للمصطلح الأجنبي (Computer)، وهو التعريب الذي تبناه مجمع اللغة العربية بالقاهرة ليدخل سياق الاستخدام الرسمي بعد نقاشات لغوية طويلة.
كان معمل الأصوات في كلية دار العلوم يشهد على شغفه بالجانب التطبيقي اللساني؛ إذ كان يرى أن الحرف العربي يمتلك خصائص صوتية فريدة تمكنه من التعبير عن أدق المعاني الفلسفية والعلمية. ولم ينفك طوال مسيرته الأكاديمية عن حث طلابه على دراسة التراث اللغوي بروح العصر، رافضًا الجمود والتقليد، ومؤمنًا بأن فصاحة اللسان هي مرآة لقوة الأمة ونهضتها الحضارية، فكانت محاضراته تبث في نفوس الطلاب مزيجًا من الاعتزاز بالهوية العربية والشغف بمناهج البحث الحديثة.
لسان مالك بن نبي ومترجم دستور الأخلاق
فتحت إجادة الدكتور عبد الصبور شاهين للغة الفرنسية له آفاقًا واسعة لنقل الإنتاج الفكري المغاربي والفرنكوفوني إلى قلب الساحة الثقافية المشرقية. بدأت هذه الرحلة من خلال لقاء عابر في القاهرة رتبه الطالب المغربي عبد السلام الهراس، وجمعه بالمفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي كان يقيم في مصر هربًا من وطأة الاستعمار الفرنسي في بلاده. أدرك شاهين عمق الأطروحات الحضارية لابن نبي، فتولى مهمة نقل مشروعه المعرفي إلى اللسان العربي عبر ترجمات دقيقة صاغت وعي جيل كامل معني بأسئلة النهضة وشروط التحرر الحضاري.
شملت هذه الترجمات الرائدة كتاب "الظاهرة القرآنية" عام 1958م، و"وجهة العالم الإسلامي" عام 1981م، و"مشكلة الثقافة" عام 1959م، وكتاب "فكرة الأفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونج" عام 1957م الذي حظي بمقدمة كتبها الرئيس أنور السادات في طبعته الثانية. كما ترجم "شروط النهضة" بالاشتراك مع عمر كامل مسقاوي عام 1961م، و"ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية" عام 1962م، وكتاب "في مهب المعركة: إرهاصات الثورة".
ولم تقتصر ترجماته على فكر مالك بن نبي، بل امتدت لتشمل أعمالًا لسانية وفكرية أخرى مثل "العربية الفصحى: دراسة في البناء اللغوي" لهنري فليش عام 1966م، و"علم الأصوات" لبرتيل مالمبرج عام 1984م، وكتاب روجيه غارودي "فلسطين أرض الرسالات الإلهية" عام 1986م عن منشورات ألباتروس. ورغم ضخامة هذا النتاج، ظل شاهين يؤكد دائمًا أن أجلّ عمل يرجو ثوابه عند الله هو ترجمته للدراسة الرائدة التي مثلت أطروحة الدكتوراه للعالم محمد عبد الله دراز، وهي كتاب "دستور الأخلاق في القرآن الكريم" الصادرة عام 1973م، تطلبت هذه الترجمة مزج صرامة الباحث برهافة البيان اللغوي، ليكون النص العربي قادرًا على حمل المضامين الفلسفية العميقة التي صاغها دراز بالفرنسية دون خسارة شاعريتها وجزالتها الأصلية.
خطيب العاصمة وبعبع المثقفين
تجاوز حضور الدكتور عبد الصبور شاهين حدود قاعات المحاضرات الأكاديمية ليمتد إلى منابر العاصمة؛ فخطب في مسجد الدكتور مصطفى محمود لثلاث سنوات، قبل أن ينتقل لاعتلاء منبر مسجد عمرو بن العاص، أكبر وأقدم مساجد مصر، ليمضي فيه أكثر من عشرة أعوام خطيبًا ومفسرًا خلفًا للشيخ محمد الغزالي. تميزت خطبه بدمج الوعظ الديني بقضايا الشأن العام والسياسة؛ وحُكي أن مقترحه المتعلق بآلية جباية الزكاة من الأوعية والإيداعات البنكية للمساهمة في سداد مديونيات الدولة قد وصل إلى أعلى مستويات السلطة، ودار حوله نقاش مباشر مع رئيس الجمهورية بحضور شيخ الأزهر.
عقب إيقافه عن الخطابة في مسجد عمرو بن العاص، بادر شاهين ببناء مسجد بجوار مسكنه بحدائق الأهرام وظل يخطب فيه لعشر سنوات أخرى، متممًا خلال خمسة عشر عامًا تفسير أكثر من ثلاثة أرباع القرآن الكريم من فوق المنبر عبر الخطبة الأولى لكل جمعة. توازى هذا النشاط الدعوي مع حضور إعلامي وسياسي مكثف، إذ نال عضوية مجلس الشورى المصري، وسافر ضمن وفود برلمانية ورسمية إلى الصين، كما زار الجاليات المسلمة في أمريكا وأستراليا والهند، مسجلًا آلاف الساعات الإذاعية والتلفزيونية في التلفزيون المصري والقنوات العربية للدفاع عن العقيدة ومواجهة أطروحات العلمانية، مصرحًا بموقفه الثابت تجاه من يطالبون بتفسير القرآن بالعامية قائلاً:
"هؤلاء الناس غرباء عن مصر، حتى ولو كانوا من بني جلدتنا، وهم يعملون لحساب جهات لا تريد الخير لمصر والعرب، فاللهجة العامية تعجز مفرداتها عن الإحاطة بألفاظ القرآن الكريم، وبالتالي لا تستطيع تفسيره، وليس لها معجم أو معاني منضبطة. إن اللغة تقوى بقوة أصحابها وتضعف بضعفهم، فإذا أراد العرب أن تكون لغتهم قوية، فليمسكوا بزمام القوة أولًا".
ارتبط اسم شاهين بعشرات المعارك الفكرية الساخنة التي جعلت الصحافة تطلق عليه لقب "بعبع المثقفين". وكانت القضية الأكثر دويًا هي مشاركته منتصف التسعينيات في اللجنة العلمية المعنية بفحص الإنتاج الأكاديمي للدكتور نصر حامد أبو زيد لنيل درجة الأستاذية بجامعة القاهرة. كتب شاهين تقريرًا يرفض الترقية بناء على ما رآه مغالطات دينية ومنهجية تحول دون نيل الدرجة، وهو التقرير الذي اتخذه آخرون مستندًا لرفع دعوى "الحسبة" أمام محاكم الأحوال الشخصية، المطالبة بالتفريق بين أبو زيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس بدعوى الردة. انتهت القضية بهجرة أبو زيد إلى هولندا، بينما واجه شاهين اتهامات بأنه قاد حملة تكفيرية؛ وهو الأمر الذي نفاه شاهين بوضوح في حواراته اللاحقة مؤكدًا:
"خطّأته ولم أكفّره؛ كل ما في الأمر أنني عقبتُ على إنتاجه بأنه لا يرقى إلى درجة أستاذ، وأمر طبيعي جداً أن يسقط طالب ترقية".
وجاء هذا الدفاع الأكاديمي المنضبط في وقت وصف فيه أستاذه الدكتور محمد بلتاجي حسن مقولات نصر حامد بأنها جمعت بين "الجهل الفاضح والكفر الواضح". كما شهدت مسيرته خوض معارك ضد دعاة التغريب والشذوذ الفكري، وأصدر كتاب "قصة أبو زيد، وأنصار العلمانية في جامعة القاهرة" عام 1996م لتوضيح موقفه، وكتاب "تعدد الزوجات دفاع عن الأمن الأخلاقي وحماية له من الزنا واللواط والسحاق" عام 1997م، وكتاب "الإعلام في خدمة الدعوة الإسلامية" عام 2001م، وكتاب "ماذا أعدت مصر لنفسها بعد أكثر من زلزال" عام 1996م، مستندًا إلى شبكة علاقات واسعة ومشاركته في البرلمان، مع احتفاظه بتقدير شخصي للإمام حسن البنا الذي انتمى لدعوته في مطلع شبابه وسجن بسببه.
أبي آدم.. الثورة الفكرية والرحيل الصامت
في منتصف تسعينيات القرن العشرين، فجر الدكتور عبد الصبور شاهين معركته الفكرية الأكثر جدلًا بإصدار كتابه "أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة"، وهو المؤلف الذي استغرق في صياغته وتأمله خمسة وعشرين عامًا بهدف التوفيق بين التصوير القرآني لقصة الخلق وبين الاتجاهات العلمية الحديثة، وتصفية التفاسير من الروايات الإسرائيلية. طرح شاهين في هذا الكتاب نظرية لغوية تفصل بين مصطلحي "البشر" و"الإنسان"؛ حيث يرى أن "البشر" يمثلون خلقًا حيوانيًا بدائيًا عاشوا على الأرض قبل وجود آدم وسفكوا الدماء وأفسدوا، وهو ما أفرز تخوف الملائكة عند إعلامهم بالاستخلاف.
ووفقًا لرؤيته، فإن الله اصطفى آدم من بين هذا الوسط البشري التطوري، ونفخ فيه من روحه فصار "إنسانًا" عاقلاً، متحضرًا، ومستعدًا لحمل الأمانة والتكليف الشرعي، مستدلاً بآيات التعديل والتسوية مثل قوله تعالى: (الذي خلقك فسواك فعدلك). واجه هذا الاجتهاد عاصفة عاتية من الهجوم قادها علماء الأزهر والتيارات السلفية الذين رأوا في الأطروحة نيلًا من الثوابت القرآنية، وصدرت مصنفات عديدة للرد عليه وتفنيد حججه، كان منها كتاب صالح إبراهيم عام 2005م المعنون بـ "آدم أبو البشر: بالعقل ومن الخبر"، وتطور الأمر برفع قضايا قانونية ضده، مما جعل المفارقة تكتمل بوصفه ضحية لنفس الأجواء الجدلية والملاحقات التي واجهها خصومه بالسابق وفق منطق "كما تدين تدان".
واجه شاهين تلك الهجمات بصلابة، وأصدر كتباً أخرى تعزز منهجه الدفاعي وتؤصل لأفكاره، مثل "قصة الدين والنبوة في مصر قبل الإسلام" عام 1996م، وكتاب "الإسلام دين السلام: رسالة إلى الضمير الإنساني لإنقاذ السلام العالمي" عام 2004م، وكتاب "تاريخ القرآن: دفاع ضد هجمات الاستشراق" عام 2006م، بالإضافة إلى "تأملات في سورة العنكبوت"، مؤكدًا في لقاءاته أنه أوقف حياته لخوض المعارك الفكرية الساخنة ضد كل من يحاول النيل من الدين الحنيف، سواء داخل مصر أو خارجها، وأنه لا يخشى تلك المعارك بل يهواها ويستعد لها بالدليل والبرهان.
شهدت الأيام الأخيرة من حياة الدكتور شاهين تراجعًا شديدًا في قواه البدنية؛ فضعف بصره وسمعه حتى غدا جسده نحيلًا هزيلاً لا يقوى على الحركة بمفرده أو التعرف على زائريه في منزله بحدائق الأهرام. وفي مساء يوم الأحد 17 شوال 1431هـ، الموافق 26 سبتمبر 2010م، غيب الموت الدكتور عبد الصبور شاهين عن عمر ناهز 82 عامًا، في مفارقة زمنية لافتة تزامنت مع إقامة حفل تأبين خصمه اللدود الدكتور نصر حامد أبو زيد في المسرح الصغير بدار الأوبرا بالقاهرة. شُيعت الجنازة في اليوم التالي من مسجد عمرو بن العاص بناء على وصيته، وشهد المشهد الجنائزي غيابًا تامًا لرموز الدولة وشيوخ الأزهر، باستثناء حضور الشيخ سامي محمد متولي الشعراوي، في مقابل حضور حاشد من رموز جماعة الإخوان المسلمين يتقدمهم المرشد السابق مهدي عاكف ونائبه محمود عزت وعبد المنعم أبو الفتوح ورشاد بيومي ومحمود غزلان ومحمد البلتاجي، حيث انتقد الأخير غياب المسؤولين معتبرًا إياه خطيئة في حق أهل الفكر والإصلاح، ونزل جثمانه إلى مثواه الأخير بمقابر الأسرة في حي الإمام الشافعي، وصدرت مذكراته الشخصية كاملة بعد وفاته عام 2012م عن دار مدبولي تحت عنوان "حديث الأيام".
بقاء الأثر وانقضاء السجال
تنطوي صفحة السيرة ويبقى الأثر اللغوي والدعوي شاهدًا على حجم الجهد المبذول؛ فالأشخاص ينقضي حضورهم الفيزيائي وتتبدد صراعاتهم الزمنية، وتتحول معاركهم الفكرية إلى مادة للبحث والاستقصاء التاريخي. ترك الدكتور عبد الصبور شاهين وراءه نتاجًا علميًا تجاوز السبعين كتابًا بين تصنيف وترجمة، معيدًا صياغة العلاقة بين الدرس اللساني الحديث وبين النص التراثي، ومثبتًا بجهوده المعجمية والتعريبية مرونة اللسان العربي وقدرته على مواكبة المنجزات التقنية ليكون سياجًا للهوية وثوابت الأمة.
تباين الآراء حول اجتهاداته الفكرية، من "أبي آدم" إلى تقاريره الأكاديمية، يعكس حيوية المرحلة التاريخية التي عاصرها وتأثر بها؛ ويبقى صوته المتميز في معمل الأصوات بدار العلوم أو فوق أعواد منبر عمرو بن العاص دليلاً على مسيرة حياة أُوقفت لخدمة العلم والدعوة، مؤكدة على أن العلماء يرحلون بأجسادهم وتبقى علومهم حية في الصدور وبطون الكتب كأثر لا يمحوه تقادم الأيام، ونبراسًا يستضيء به باحثو العربية الساعون لتجديد شباب اللغة وحفظ حصونها أمام عواصف الزمن وتحولات الحضارة المعاصرة.