⛅ جاري تحميل الطقس…
آخر الأخبار
 لجنة مفاجئة من الطب العلاجي  تتفقد مستشفى جهينة تعزيز القدرات بين المملكة العربية السعودية والأمم المتحدة للتصدى للجفاف واستعادة الأراضي قبل Cop17 الشرقية تحتفل بالبردي .. "فن وحضارة في النسخة الثانية من مشروع الفن الخالد" طه محمد الشيخ يكتب : المحافظ المخلص للوطن والمواطن . عقب إشرافه علي  اخماد حريق برج معهد الاتصالات ...المحافظ يوجه بدعم المتضررين وفحص السلامة الإنشائية للعقارات محافظ سوهاج : السيطرة الكاملة علي حريق برج  معهد  الاتصالات  آليات تنفيذ الخطة الاستثماريةالمالية 2026/2027 لمحافظة سوهاج أتلانتا.. حينما تآمرت الصافرة على الحلم طه محمد أبو الشيخ يكتب : جامعة سوهاج في "عهد النعماني " إلي أين؟ وزير الإعلام : قضاء شامخ وحكومة صادقة ووزيرة تحترم القانون الاثنين القادم : وقفة احتجاجية للصحف الحزبية والمستقلة للمطالبة بزيادة بدل التكنولوجيا إنقاذ الأرواح من الخطر الزاحف صور : وسط حضور نخبوي مميز.. اتحاد كتاب مصر يشهد توقيع  "النور الأبيض" للكاتبة ريهام مدحت صلاح ..و ..ميسي ...موقعة العمالقة                            النائب العام  يهنئ رئيس محكمة النقض الجديد مصر وفرنسا يبحثان التعاون القضائي المشترك Where Ancient Heritage Meets Green Innovation: Reflections on China's Climate Diplomacy رئيس " قضايا الدولة"  يهنئ الرئيس بافتتاح " القيادة الاستراتيجية " جمال عبد المجيد يكتب: استثمار 6 أكتوبر..بوابة نجاح اقتصاد مصر محافظ سوهاج: تنفيذ إزالة  203 حالة  بالموجة 29 
أقلام حرّة
بواسطة محرر 369 مشاهدة 7 دقيقة قراءة

ما وراء "المومياوات"

بقلم الدكتور: عبد الحليم قنديل ربما لا يجادل عاقل فى عظمة حدث نقل "مومياوات" ملوك وملكات مصر القديمة ، فقد كان عرسا أسطوريا بامتياز ، تجلت فيه المقدرة المتفوقة على الإدارة والتنظيم الدقيق الباهر ، من حفظ علمى لسلامة مومياوات عاشت لآلاف السنين ، وتصميم عربات الملو

ما وراء "المومياوات"
صورة توضيحية
مشاركة
بقلم الدكتور: عبد الحليم قنديل ربما لا يجادل عاقل فى عظمة حدث نقل "مومياوات" ملوك وملكات مصر القديمة ، فقد كان عرسا أسطوريا بامتياز ، تجلت فيه المقدرة المتفوقة على الإدارة والتنظيم الدقيق الباهر ، من حفظ علمى لسلامة مومياوات عاشت لآلاف السنين ، وتصميم عربات الملوك ذات الشموس المجنحة ، وإتقان تفاصيل التفاصيل فى الأزياء والإكسسوارات والمجاميع والإضاءة والمهابة التى سرت حتى إلى دقات حوافر الخيول ، والإخراج المذهل ، وتدافع مواهب عبقرية لموسيقيين وفنانين وفنانات مصريين ومصريات بالمئات ، سطع حضورهم الطاغى على شاشات 400 محطة تليفزيونية ناطقة بكافة لغات العالم الحية ، فى عمل إبداعى فريد ، جاء فى وقته تماما ، بعد نجاح المصريين المعاصرين السريع فى تحرير المجرى الملاحى لقناة السويس من جنوح الناقلة العملاقة "إيفرجيفن" ، وإثبات أن الأحفاد ورثوا جينات التحدى عن الأجداد ، وصنعوا صورة ذهنية ووجدانية تليق بمصر التى لا تفنى أبدا ، وإلى أن يرث الله الأرض. كان الأثر مباشرا فياضا على نفوس المصريين ، الذين صادفوا أسبوعا من الآلام ، بدأ بمأساة تصادم قطارى سوهاج ، وما أعقبها من سقوط عمارة سكنية بشرق القاهرة وجنوح السفينة ، ثم بدت الدموع كأنها تنقشع ، ويحل أسبوع العظمة بعد أسبوع الآلام ، فى موسم للفرح والفخر العام ، لم يتخلف عن الشعور بوهجه مصرى ، باستثناء أصوات شاردة نشاز هربت أرواحها من أبدانها ، وتراكمت أحقادهم إلى حد عمى البصر بعد تلاشى البصيرة ، وعلق شيخهم على كشف شعر الملكة "تى" والدة "إخناتون" ، وكأنه كان ينبغى أن نلبسها حجابا أو نقابا ، وهى التى عاشت وماتت قبل ظهور فرائض الإسلام بآلاف السنين ، فيما علق آخرون على تكاليف الموكب الذهبى ، وتحدثوا عن النفقات بأرقام فلكية مفتعلة ، خلطت فى تزوير فاضح بين الحدث وتكاليف إقامة المتاحف الكبرى الجديدة ، مع أن أكبر هذه المتاحف وضع حجر أساسها قبل عشرين سنة ، ولم تشهد إنجازا سريعا مقتدرا عالى الكفاءة ، مع إضافة متاحف أخرى أصغر ممتدة من شرم الشيخ إلى كفر الشيخ ، إلا فى السنوات الخمس الأخيرة ، وخذ عندك مثلا قصة "المتحف المصرى الكبير" ، المقرر افتتاحه قريبا ، وهو أكبر متحف لحضارة واحدة فى الدنيا كلها ، ويتوقع أن يزوره خمسة ملايين شخص كل عام ، وقد جرى تمويل تكاليفه الهائلة البالغة 954 مليون دولار ، أى 15 مليار جنيه مصرى بأسعار الصرف اليوم ، بموارد مصرية خالصة ، ومن عوائد عروض الآثار المصرية خارجيا ، فيما تكفلت اليابان بتقديم قرض ميسر للمتحف من أوائل القرن الجارى ، بلغت قيمته 300 مليون دولار ، وقد تبدو التكلفة بالأرقام باهظة لأول وهلة ، لكنها تبدو متواضعة من منظور آخر ، خصوصا إذا قيست إلى مبالغ فلكية حقا ، جرى إنفاقها على مشروعات عمران كبرى ، بلغت تكاليفها نحو ستة تريليونات جنيه مصرى بحسب الأرقام الرسمية ، أى أكثر من 383 مليار دولار . لا نعنى طبعا أن كل شئ على ما يرام فى مصر اليوم ، فلا تزال هناك عوائق وتحديات عظمى ، يلزم اجتيازها لبناء نهوض مصرى جديد ، لكن المتاحف فى مصر ليست من مظاهر الترف ، بل هى من أولويات الضرورة ، فقد ورث المصريون تراثا حضاريا بلا نظير ، ولدى المصريين فيما هو مكتشف ، نحو نصف آثار الدنيا ، وبلغ السفه الوقح فى عهود سبقت ، أن نادى بعضهم ببيع بعض أو كل آثار مصر، أو منح إدارتها لمستثمرين أجانب ، بالتوازى مع حملات بيع المصانع والأصول والمرافق ، وكان ذلك عارا وطنيا ، استمرت بعض مظاهره إلى اليوم ، فمن يفرط فى تاريخه يبيع حاضره ومستقبله ، وكان البديل الوطنى الصحيح ، أن ترعى مصر آثارها الضخمة الفخمة ، وعلى نفقتها وبما يليق ، وأن تنتشر حركة إنشاء متاحف جديدة ، وإجلاء الغبار عن المتاحف الأقدم ، وأن تحيى الذاكرة الثقافية ، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة الاعتزاز بالذات الوطنية الحضارية ، إضافة لمضاعفة عوائد النشاط السياحى القادم إلى مصر ، ودعم السياحة الثقافية إلى جوار سياحة الشواطئ ، وإقامة متاحف تضاهى أحدث متاحف العالم المتطورة تكنولوجيا ، ومن دون إهمال لتراث أى مرحلة فى تاريخ مصر ، التى هى الدولة الأقدم الأعرق فى التاريخ الإنسانى ، وحضارتها المتنوعة الفريدة هى الأعظم بلا منافس ، وقد جرى استفتاء علمى متخصص قبل شهور ، كان المشاركون فيه من العلماء والمهتمين الأوروبيين ، أجروا تصويتا إلكترونيا ، شمل 15 حضارة فى التاريخ القديم ، من الحضارة الصينية إلى الأغريقية والفارسية والرومانية وغيرها ، ولم تكن النتائج مفاجئة ، فقد فازت الحضارة المصرية باللقب الأعظم والأول ، فهى الأسبق إلى اكتشاف الضمير والقانون والعدالة والإبداع الفنى والفلكى والهندسى والكيميائى ، ولا توجد فى تراث حضارة أخرى عجيبة كالتحنيط وحفظ "مومياوات" الأجساد ، وقد اكتشف منها المئات لملوك مصر القدامى وغيرهم ، عاشت على حالتها الأولى لآلاف مؤلفة من السنين . وقد جرى اكتشاف مومياوات ملوك وملكات مصر الأقدمين فى "وادى الملوك" ومنطقة "الدير البحرى" بالأقصر ، كان ذلك فى نهايات القرن التاسع عشر ، والأقصر "طيبة" كما هو معروف كانت عاصمة مصر لزمن ألفى طويل ، وقد نقلت المومياوات منها إلى القاهرة أوائل القرن العشرين ، حين جرى إنشاء "المتحف المصرى" الشهير بميدان التحرير ، ثم جاء الانتقال الأخير قبل أيام ، وبعد نحو 120 سنة من الحجب فى متحف التحرير ، وبمراسم مهيبة كميراث الأجداد ، وإلى ما يعرف رسميا باسم "المتحف القومى للحضارة المصرية" ، ويعرف اختصارا باسم متحف "الفسطاط" فى قلب القاهرة التاريخية الإسلامية التى يعاد تأهيلها اليوم ، و"الفسطاط" كانت أول عاصمة لمصر فى تاريخها الإسلامى ، وجرى اختيارها كنهاية لرحلة المومياوات ، والمعنى الضمنى ظاهر بغير التباس ، ويرد بذاته على ترهات صغيرة ، تدعى أن مصر تغادر هويتها العربية إلى هوية فرعونية ، أو أن الحكام يريدون ذلك ، وكأن الحكام يصنعون الهويات حسب الرغبات والمقاسات ، بينما لا يستطيع أحد تغيير حقائق مصر الكبرى ، وهى "الفرعونية الجد العربية الأب" بحسب إيجاز بليغ للعلامة جمال حمدان ، وقد كان وطنيا مصريا قوميا عربيا ناصريا قحا ، فقد مرت مصر بمراحل تاريخية ألفية السنوات ، نهضت وضعفت ، وتعرضت لعشرات الصور من أبشع احتلالات الغزاة ، وتغيرت لغتها ودينها مرات ، لكنها لم تغير جغرافيتها أبدا منذ عصر "مينا" موحد القطرين ، وظلت كقبضة يد لا تنفك أصابعها ، برغم تراكمات القهر وتوالى صنوف الطغيان ، وخاضت حروبا كلها دفاعية ، وهزمت فى معارك وأزمان ، لكنها لم تخسر حرب الوجود المتصل أبدا ، وأقامت شواهد عظمة باقية تستعصى على الإندثار ، وصنعت فجر الضمير الإنسانى ، وكانت واحة العالم القديم وجوهرته الأثمن ، وصاغت حضارة التوحيد القومى والدينى ، حتى قبل أن يهبط الوحى الإلهى برسالات السماء ، واستعدت لحساب العالم الآخر بعد الدنيا الفانية ، وعرفت بذاتها طقوس الصلاة والصيام والمواقيت والحج المقدس ، وتركت وثائق كبرى لصلاح الدنيا والآخرة ، من نوع عدالة "ماعت" و"كتاب الموتى" ، وكان إبنها "إخناتون" هو أول من بشر بعقيدة الإله الواحد "آمون" ، وكان لاسم مصر السيادة العظمى فى متون كتب السماء جميعا ، وجاء إليها النبى يعقوب بعد إبنه النبى يوسف ، وخرج منها "النبى موسى" الأكثر ذكرا فى آيات القرآن الكريم ، وتزوج منها قبله إبراهيم أول الأنبياء ، واقترن منها خاتم الأنبياء محمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام ، واحتمى بها السيد المسيح وأمه مريم ، ولم يكن "فرعون موسى" مصريا بل هكسوسيا محتلا ، وظلت مصر الموئل المفضل لهجرات بشرية وتفاعلات ثقافية ولغوية ، راكمت تبادلا هائلا لمفردات لغوية قادمة من المنطقة التى نصفها اليوم بالعالم العربى ، وكانت حروب ملوكها العظام الوجودية ، كمعارك "مجدو" تحتمس و"قادش" رمسيس ، تجرى فيما نعرفه اليوم باسم المشرق العربى ، فقد تعربت مصر بغرائز الأمن قبل تعريب لغة اللسان ، ومع فتح عمرو بن العاص ، تعربت لغة مصر بكاملها فى بضعة عقود ، وكان للكنيسة المصرية الدور الأكبر فى تسريع التعريب ، وقبل أن يسلم غالب أهل مصر على مدى مئات السنوات اللاحقة ، وهكذا تكونت هوية مصر الختامية ، ودونما إنكار أو تجاهل لمراحل الزهو المصرى الأقدم ، فما يسمى بغير تدقيق بالتاريخ الفرعونى ، هو قاعدة الهرم المصرى التكوينى متعاقب الدرجات ، وظلت عناصر من ثقافته سارية مؤثرة فى النسيج المصرى ، وبانسجام لا شبهة لتناقض فيه مع التوحيد الإسلامى ورسالة العروبة الحضارية ، التى ظلت مصر حصنها المكين ، والقطب الأعظم فى الفهم المتحضر الأرقى الأغنى لصحيح الدين ، البرئ من التعصب الجاهلى والتدين الصورى الصحراوى الجهول . Kandel2002@hotmail.com