عواد باع أرضه
بقلم: يحي سلامة صارت هذه الجملة والتي جاءت في الأوبريت الاذاعي الذي كتبه الشاعر الكبير الراحل مرسي جميل عزيز وغناء الراحلين سعاد مكاوي وسيد إسماعيل في الستينيات مضرب المثل في كل من يفرط في أرضه أو ماله سواء بالبيع أو إهدارهما علي النزوات والملذات الحسية المؤقتة. وأستدعي
مشاركة
بقلم: يحي سلامة
صارت هذه الجملة والتي جاءت في الأوبريت الاذاعي الذي كتبه الشاعر الكبير الراحل مرسي جميل عزيز وغناء الراحلين سعاد مكاوي وسيد إسماعيل في الستينيات مضرب المثل في كل من يفرط في أرضه أو ماله سواء بالبيع أو إهدارهما علي النزوات والملذات الحسية المؤقتة.
وأستدعي هذه الجملة ومضمون الأوبريت للحديث عن قضية الساعة والاجابة عن السؤال الشائك: هل حقا أن الفلسطينيين هم من أوصلوا أنفسهم إلي هذا المصير وأنهم يستحقون ماهم فيه من قتل وتشريد بعدما باعوا أرضهم لليهود ثم عادوا ليطالبون بها ويستعطفون العالم من أجل هذا الامر.
والغريب أن من يردد هذه العبارة (وهي عبارة متداولة بشدة علي المستوي الشعبي دائما) يقولها وهو مطمئن تماما وكأنه أحد شهود عقود البيع التي تمت وقتها.
وأعتبر ان هذه المقولة والتي ترددت منذ عام 1948وحتي اليوم هي مقولة تخديرية بكل ماتعنيه كلمة (المخدرات)من معني وهي مقولة ذكية جدا في الوقت نفسه فهي من ناحية تعطي لقوات الكيان شرعية التواجد وأنهم لهم الحق المشروع في امتلاك الأرض حسب عقود البيع المبرمة بينهم وبين الفلسطينين ومن ناحية اخري فهي مخدر طبيعي للضمير العربي والإسلامي للتعاطي بهدوء وبلا حماسة أو نخوة أمام جرائم ومجازر الإحتلال الصهيوني التي مازالت مستمرة حتي كتابة هذه السطور.
وهنا لابد من العودة للوراء كثيرا وتحديدا عند صدور وعد بلفور المشئوم عام 1917حيث كانت فلسطين (كغيرها من الدول العربية والإسلامية) واقعة تحت الإستعمار البريطاني أو الإستعمار الفرنسي.
وبالقراءة التاريخية لمنطق الإستعمار في القرن الماضي الذي كان يعمل علي تغيير الحدود الجغرافية وتركيبة السكان وطمس الهوية اللغوية أو الدينية لأبناء البلد المستعمر أقول بأن هذه القراءة كفيلة بأن تجيب علي هذا السؤال الشائك وخاصة إذا وضعنا في الإعتبار الفارق الزمني بين وعد بلفور عام 1917 وإعلان قيام دولة اسرائيل عام 1948 وهذه الفترة الزمنية (31سنة) كفيلة بأن يقوم المستعمر البريطاني بتمكين وكيله الجديد وتثبيته علي الأرض بإجراءات معروفة تاريخيا بدءا من تشجيع الجهرة ومرورا بتخصيص الأراضي الشاسعة للمهاجرين اليهود ومرورا بنزع الملكيات من أصحابها الفلسطينيين الأصليين وانتهاءا بما قامت به عصابات أرجون في فترة التأسيس من مذابح وتهجير قسري للسكان الفلسطيين ومعروف أن من بين أعضاء هذه العصابة رؤساء وزراء سابقين للكيان الصهيوني (اسحاق رابين وشيمون بيريز ومناحم بيجين واسحاق شامير واريل شارون) ولعل مذبحة دير ياسين الشهيرة أكبر دليل علي هذا الأمر.
وحتي نكون موضوعيين ومنصفين ولا ندفن رؤوسنا في الرمال نقر أن مع أي قوة احتلال هناك مجموعة سواء أفراد رسميين أو غير رسميين يقدمون أنفسهم طوعا أو كرها كعملاء للمستعمر علي حساب وطنهم ولعل تعاون بعض الفرنسيين مع الاحتلال النازي لفرمسا خلال الحرب العالمية الثانية والذي وصل الي تشكيل حكومة فرنسية من وزراء فرنسيين موالية جميعها للنظام النازي مثال مشهور ولا يقل شهرة عنه قضية (أمين عثمان) الشهيرة والتي شكلت جزءا هاما من التاريخ النضالي للرئيس الراحل محمد أنور السادات والذي كان ضمن المتهمين بمقتل وزير المالية وقتها (أمين عثمان) والذي صرح بأن علاقة مصر بالاحتلال البريطاني هي زواج كاثوليكي لا يعرف الطلاق في إشارة واضحة ان الرجل إعتبر مصر جزء من أملاك الإمبراطورية البريطانية غير قابل للإنفصال أو الإستقلال وقد كلفه هذا التصريح حياته ليموت غير مأسوف عليه ويخلد التاريخ إسمه في صفحات الخيانة والعمالة
وبمنطق الأشياء وطبيعتها لا ينبغي لنا أن نقع في فخ التعميم ونطلق أحكاما عامة فلم يكن كل مواطن او مسئول رسمي فرنسي عميل أو جاسوس نازي ولا كان كل وزير مصري قبل يوليو 1952 هو أمين عثمان وبنفس المنطق ليس كل فلسطيني سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة هو مسئول عما يجري له من قتل وتهجير لأن أبائه أو أجداده باعوا أرضهم وبيوتهم لليهود.
أما من يتساءل لماذا لم ينتصر الفلسطينيون طالما أنهم اصحاب الأرض والحق ويقول أن طول الصراع يعني أن الطرفين (إسرائيل وفلسطين) علي باطل ولذلك لم ينتصر احداهما وسيبقي الصراع قائما حتي قيام الساعة.
أقول ان مثل هذه الأقوال هي السذاجة السياسية بعينها فالصراع ليس اسرائيلي فلسطيني حتي وإن بدا كذلك في الظاهر إلا ان الحقيقة السياسية والتاريخية والإستراتيجية أن الصراع هو صراع عربي وإسلامي مع قوي إستعمارية غربية قديمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وقوة إستعمارية جديدة (الولايات المتحدة الأمريكية) أرادت ومازالت تريد فرض إرادتها ورؤيتها السياسية والإستراتيجية والعسكرية والعنصرية والدينية علي المنطقة عن طريق الإحتلال بالوكالة وهو إيجاد دولة إسرائيل من العدم لتبقي دولة وظيفية لتحقيق المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط وهذا ما يتضح اليوم من الدعم الأوروأمريكي الغير مسبوق لإسرائيل في حربها علي قطاع غزة