د.عبد الحليم قنديل يكتب: فات ميعاد أمريكا
ليس من باب المصادفات ، أن يدعى رئيس وزراء اليابان يوشيهيدى سوجا لزيارة واشنطن أوائل أبريل المقبل ، وأن يكون أول ضيف أجنبى رفيع يلتقيه جو بايدن فى البيت الأبيض ، سبقته زيارة مزدوجة لوزيرى الخارجية والدفاع الأمريكيين إلى طوكيو قبل أيام ، وإعلان واشنطن عن اعتبار اليابان حجر
مشاركة
ليس من باب المصادفات ، أن يدعى رئيس وزراء اليابان يوشيهيدى سوجا لزيارة واشنطن أوائل أبريل المقبل ، وأن يكون أول ضيف أجنبى رفيع يلتقيه جو بايدن فى البيت الأبيض ، سبقته زيارة مزدوجة لوزيرى الخارجية والدفاع الأمريكيين إلى طوكيو قبل أيام ، وإعلان واشنطن عن اعتبار اليابان حجر الزاوية فى سياستها بشرق آسيا ، ومواجهة الصين وحصارها اقتصاديا وعسكريا كهدف ، هو نفسه الذى ساق الوزيرين الأمريكيين إلى الذهاب لكوريا الجنوبية بعد اليابان ، وقبلها جمع قادة أمريكا والهند واستراليا واليابان فى قمة اتصال مرئى ، والتمهيد لحملة واشنطن على الخطر الصينى .
بدت ردة فعل الصين هادئة كعادتها الدبلوماسية ، رحبت بالزيارات الأمريكية إن كان قصدها التعاون ، والتحذير منها إن كانت موجهة ضد "طرف ثالث" (!) ، على حد تعبير المتحدث باسم الخارجية الصينية ، فالصين تتحدث بلغة ناعمة ، ولا تذكر شيئا عن قبضتها الحديدية من وراء قفاز الحرير ، بينما تملأ الإدارة الأمريكية الدنيا صراخا ضد الصين ، وضد ما تسميه سيطرة بكين على بحر الصين الجنوبى ، وعزمها على استعادة "تايوان" ، ومن دون أن تخفى واشنطن جزعها من التحدى الصينى ، الذى دفع "كوريا الشمالية" إلى رفض التحدث مع واشنطن ، وكوريا الشمالية بالطبع فى حمى التنين الصينى ، وسمحت لها بكين فيما مضى بإظهار التجاوب الصورى مع إدارة دونالد ترامب ، وجرى عقد قمتين بين ترامب وكيم إيل جونج زعيم "بيونج يانج" ، ومن دون أدنى تجاوب مع رغبة واشنطن الحقيقية ، وهو الموقف ذاته الذى يتكرر مع إدارة بايدن ، التى أعلنت عن محاولات تواصل أمريكية مع قادة كوريا الشمالية ، وأعلن أنتونى بلينكن وزير الخارجية الأمريكى عن ضرورة نزع أسلحة بيونج يانج النووية ، وهو المطلب ذاته الموروث من الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، وبهدف دفع اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية إلى إدامة الاحتماء بأمريكا النووية ، والاستمرار فى فرض عقوبات اقتصادية مغلظة على "بيونج يانج" ، لم تفلح أبدا فى كبح تطورها النووى وترسانتها الصاروخية ، ربما لسبب ظاهر ، هو أن حركة كوريا الشمالية محكومة بإرادة الصين ، التى تملك أوراقا لا تنفد فى الصراع الآسيوى ، كما فى الصراع العالمى مع واشنطن .
ولا تخفى على أحد ، هذه التعبئة الأمريكية الجارية علنا ضد الصين فى شرق آسيا والمحيط الهادى ، وهى المنطقة الأهم فى الصراع على مستقبل العالم ، فهى مركز التفاعلات الاقتصادية الكبرى ، وفيها وبالقرب منها ، عمالقة الاقتصاد الكونى ، من أمريكا إلى الصين إلى اليابان والهند واستراليا وكوريا الجنوبية وسنغافورة ، إضافة لنمور اقتصاد مؤثرة من نوع ماليزيا وأندونيسيا ، واقتصادات ناشئة طالعة على طريقة فيتنام وتايلاند ، فضلا عن صدامات صينية أمريكية جارية فى دول أخرى ، كما يحدث حاليا فى "ميانمار" عقب انقلاب الجيش على "أونج سان سوتشى" أيقونة الغرب المصنوعة ، وفيها جرى دفع المتظاهرين لإحراق مصانع واستثمارات صينية ، فالصراع الصينى الأمريكى وراء الحوادث الجارية هناك ، وليس ادعاء أمريكا والغرب بالدفاع عن ديمقراطية موهومة ، لم يقم عليها دليل واحد وقت حكم سوتشى التى منحوها جائزة نوبل للسلام ، ونافست العسكريين فى عملية إبادة وطرد مسلمى الروهينجيا ، وتناصرها أمريكا لغايات أخرى ، تماما كادعاء واشنطن مناصرة مسلمى "الإيجور" فى "شينجيانج" ضد الانتهاكات الصينية ، أو مناصرة الهند فى صراع "التبت" الحدودى مع الصين ، أو مناصرة متمردى "هونج كونج" ضد الطغيان الصينى ، فهذه كلها وغيرها ، مجرد أوراق لعب أو تلاعب أمريكية ، هدفها حرق الأرض وإثارة المتاعب للسلطة الصينية ، ومن دون جدوى محققة ، وكلنا يذكر ماجرى قبل ما يزيد على ثلاثين سنة ، حين سحقت الدبابات الصينية تمردا ديمقراطيا فى ميدان السلام السماوى "تيانانمين" ببكين عام 1989 ، وقتها فرضت أمريكا والدول الغربية كلها حظرا على بيع الأسلحة ونقل التكنولوجيا للصين ، وكانت النتائج على غير ما اشتهت واشنطن ، وبصورة لم ترد فى أسوأ كوابيس البيت الأبيض ، فبرغم الزيادة الفلكية فى إنفاق أمريكا العسكرى السنوى ، ووصوله إلى حافة 750 مليار دولار سنويا ، وبما يساوى إنفاق الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والهند وألمانيا واليابان والسعودية مجتمعين ، وبرغم الإنفاق الجنونى ، فلا تضمن أمريكا الفوز بحرب فى المحيط الإقليمى الصينى ، التى زادت بإطراد من إنفاقها العسكرى فى السنوات الأخيرة ، وصارت أكبر منتج للسلاح فى العالم بعد أمريكا بحسب إحصاءات معهد "سيبرى" السويدى ، وأصبح بوسع بكين ، وبقدرة صواريخها فائقة الدقة ، أن تدمر كل قواعد أمريكا العسكرية فى شرق آسيا خلال الساعات الأولى من نشوب أى حرب مفترضة ، والصين كما هو معلوم ، قوة نووية وفضائية كبرى ، لم تلزم نفسها بأى اتفاقات لخفض التسلح النووى ، ولا يتصور عاقل ، أن تلجأ أمريكا إلى حماقة شن حرب عسكرية ضدها ، وهو ما يفهمه حلفاء أمريكا الآسيويون ، الذين ترهبهم كوريا الشمالية ، فما بالك بالصين ؟ التى تتجه إلى تفوق عسكرى شامل ، زادت فيه إنفاقها العسكرى السنوى أخيرا إلى ما يقارب 300 مليار دولار ، ولديها بالطبع فوائض مالية تريليونية ، تستطيع تمويل صناعاتها الحربية ، وتمويل تعاونها اللصيق المخطط مع روسيا بوتين ، ثانى أكبر قوة سلاح فى العالم ، وجمع القوة العسكرية الصينية مع مثيلتها الروسية ، يشكل قوة أكبر بكثير من قوة أمريكا العسكرية ، التى ترهق الاقتصاد الأمريكى ، وتعجزه عن مواصلة المنافسة الضارية مع اقتصاد الصين الصاعد صاروخيا ، وفشلت الحرب التجارية الأمريكية فى فرملة صعوده ، والتوقعات الغربية نفسها ، تتنبأ بأن يلحق اقتصاد الصين باقتصاد أمريكا عام 3028 ، بعد أن كانت التوقعات نفسها ، تؤجل موعد زحف الصين لصدارة اقتصادات العالم إلى عام 2032 ، هذا بحساب الأرقام المجردة المشكوك فى أمرها ، بينما بحساب المقارنة على أساس تعادل القوى الشرائية ، فقد وصل اقتصاد الصين إلى القمة من سنوات خلت ، وصارت قيمته الحقيقية السنوية أكبر من 27 تريليون دولار ، بينما القيمة المعلنة للاقتصاد الأمريكى عند حدود 21 تريليون دولار ، مثقلة بديون داخلية وخارجية تجاوزت 25 تريليون دولار .
تطور الصين العسكرى المحتمل إذن ، يقفز بالمعجزة الصينية إلى أفق غير مسبوق فى تاريخ الدنيا ، ففوائض الصين المالية هى الأكبر بامتياز ، وبكين تحولت إلى أكبر دولة مقرضة ومانحة ، ومشروعها المهول (الحزام وطريق الحرير) يمضى بخطوات مذهلة ، وقد صار للصين وحدها أكثر من 35% من تجارة العالم ، واقتصاد الصين هو الوحيد بين اقتصادات الكبار ، الذى حقق نموا إيجابيا فى عام جائحة كورونا ، التى تفوقت الصين بلا منافس فى حصارها ووأدها فى المهد ، وبعمل مبهر تعبويا واجتماعيا وتكنولوجيا ، بينما افترست الجائحة أمريكا واقتصادها ، وهو ما بدت عوائده ظاهرة فى علاقات الصين وأمريكا مع الاتحاد الأوروبى خلال العام الأخير ، فواشنطن تعتبر أوروبا حليفها التاريخى الأول ، وسندها الأكبر فى الحرب على روسيا والصين ، وكانت المفارقة ، أن صعد حجم تجارة الصين مع أوروبا إلى 586 مليار دولار فى عام 2020 ، والرقم للمعهد الأوروبى للإحصاء ، الذى سجل عجزا تجاريا أوروبيا لصالح الصين قيمته 181 مليار دولار فى العام نفسه ، وهكذا أزاحت الصين أمريكا من فوق عرش التبادل التجارى مع الاتحاد الأوروبى ، الذى تراجع حجم التبادل التجارى لدوله مع واشنطن إلى 555 مليار دولار ، وبفائض لصالح أوروبا بلغت قيمته 151 مليار دولار ، مع ملاحظة مهمة ، هى أن العام 2020 وما قبله ، شهد أكبر حملة تحريض أمريكية وأوروبية ضد الصين ، استوى فيها سلوك ترامب مع سلوك خلفه بايدن ، وجرى اتهام الشركات الصينية العملاقة بالعمل لصالح الجيش والمخابرات والحزب الشيوعى الحاكم ، فيما بدت الصين على مرونتها الفائقة ، وتصدرها لسباق العولمة الصناعية والتجارية ، فقد صارت مصنع العالم الأول ، والمستهلك الأكبر للطاقة العالمية ، إضافة لقفزاتها التكنولوجية الهائلة ، وتطويرها العبقرى لنظامها التعليمى الذى صار الأكثر كفاءة عالميا ، وبعدد طلاب يجاوز 450 مليونا ، وبطاقة إنتاج رهيبة ، فعدد سكان الصين يساوى أربعة أمثال سكان أمريكا ، إضافة لجاليات صينية ضخمة خارج الصين، تطبع عوالم الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا بصبغة صينية متزايدة الأثر ، وتكاد تنبئ مقدما بنتائج الحرب الباردة الجديدة ، فقد انتصرت أمريكا فى الحرب الباردة السابقة ضد الاتحاد السوفيتى ، لكنه يبدو انتصارا غير قابل للتكرار فى الحرب الجديدة مع بكين ، فالصين قوة كاملة الأوصاف عظيمة التجانس ، وقدرتها على تعبئة الموارد تفوق بمراحل قدرة أمريكا ، التى فات أوان تصدرها للعالم كقوة عظمى أولى ، ولم يعد لها سوى أن ترقص دائخة على أنغام أغنية "فات الميعاد" للست "أم كلثوم" .
Kandel2002@hotmail.com