توظيف الالتفات اللغوي في توصيل الرسالة للمتلقي افتتاحية (عبس) أنموذجا
حينما يكون الحديث موجه من الرب العلي للحبيب النبي تتعانق جماليات اللفظ مع سعة الدلالة وبلوغ الرسالة. يقول الحق -سبحانه وتعالى- : " عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكر"، أعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن أم مكت
مشاركة
حينما يكون الحديث موجه من الرب العلي للحبيب النبي تتعانق جماليات اللفظ مع سعة الدلالة وبلوغ الرسالة.
يقول الحق -سبحانه وتعالى- : " عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكر"، أعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن أم مكتوب؛ انشغالا بدعوة مجموعة من صناديد الكفر للإيمان، لما لإسلامهم من خير عظيم للإسلام والمسلمين. فعاتب الحق- سبحانه وتعالى- حبيبه النبي - صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
وهنا تتجلى بلاغة النظم المعجز ؛ حيث افتتحت السورة الكريمة بقول الحق - سبحانه-:" عبس وتولى" الدالة على الغائب ولم يقل (عبستَ وتوليتَ) من باب إنزال المخاطب منزلة الغائب، فتجاوز النظم القرآني صيغة المخطابة في العتاب؛ تلطيفًا وتكريمًا لمنزلة حبيبه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالحالة التي كان عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- من العبوس والإعراض حالة عارضة تحدث لجميع البشر، بيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس كبقية البشر ؛ إنه خير الخلق أجمعين، ورحمة الله للعالمين. من هنا جاء العتاب الحاني ليسمو بإنسانيته -صلى الله عليه وسلم- ، وليتغلب على كل معوقات الرسالة الخاتمة، وكأن النظم القرآني يلوّح برسالة خفية مفادها؛ أن محمدًا الذي نعرف لا يحق له العبوس -وإن كانت هذه صفة بشرية- بل يجب أن يتعالى على كل ما يضير بالدرجة العالية والوسيلة الفاضلة لرسالته.
أضف إلى ذلك ما يشيعه ضمير الغائب في (عبس وتولى) من عمومية الدلالة بخلاف ضمير المخاطب في (عبست وتوليت) من تخصيصٍ للدلالة، وكأن حالة العبوس العارضة هذه حدثت من غير عمدٍ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا توقع لما آلت إليه من نتائج، وأنها لا يمكن أن تتكرر من قِبل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاستعاض النظم القراني عن إجراء الخطاب بضمير المخاطب إلى الغائب؛ تسكينًا لقلب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتوصيلًا لرسالة العتاب المطرزة بعبق الإرشاد والتربية؛ لذا فَهِم النبي -صلى الله عليه وسلم- الرسالة مباشرة، فكان كلما رأى ابن أم مكتوم بعد ذلك يبسط له رداءه، ويقول: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي"، ويقول له: "هل من حاجة؟".
ولما أثمر ضمير الغائب في (عبس وتولى)، وأدّى وظيفته اللغوية،ورسالته التربوية عاد الخطاب إلى الأصل، فاستخدم النظم القرآني ضمير المخاطب في الآيات التالية "وما يدريك لعله يزكى" ؛ تشريفًا وتكريمًا لمقام الحبيب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وهكذا صنعت وسيلة الالتفات اللغوية من الغائب للمخاطب قنطرة لغوية عَبَرَ النظم القرآني من خلالها من المعاتبه الحانية إلى التاكيد على علو قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- ،وسمو منزلته، وعدم حيلولة هذه الحادثة العابرة دون التأكيد على المنزلة السامية والسمة الأصيلة لخاتم المرسلين "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
---------------------------------------------
بقلم د/مراد إمام
والله ولي التوفيق والسداد..