مستقبل القوة الأمريكية.. تراجع أم أدوات جديدة للهيمنة؟
صوت الوطن رغم كل المغامرات الأمريكية في العالم، ورغم النهج المتهور أحيانا الذي يقود به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الولايات المتحدة، إلا أن بلاده لا تزال هي أكبر قوة في العالم، وبالتالي فكل قراراتها وخطواتها تؤثر على مستقبل العالم كله، ومن هنا جاء الاهتمام في أدبيات العلاقات ال
مشاركة
صوت الوطن
رغم كل المغامرات الأمريكية في العالم، ورغم النهج المتهور أحيانا الذي يقود به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الولايات المتحدة، إلا أن بلاده لا تزال هي أكبر قوة في العالم، وبالتالي فكل قراراتها وخطواتها تؤثر على مستقبل العالم كله، ومن هنا جاء الاهتمام في أدبيات العلاقات الدولية الأمريكية خلال العقود الثلاثة الماضية بمستقبل المكانة الأمريكية في بنية النظام الدولي، ولعل كتاب "مستقبل القوة" الذي ألفه جوزيف ناي الابن، وهو أحد أبرز المفكرين الأمريكيين في العلاقات الدولية، ويعمل أستاذا بجامعة هارفارد، أحد أهم الأعمال التي صدرت خلال السنوات الماضية لفهم ما ينتظر الإمبراطورية الأمريكية في عصرنا الراهن وفي مستقبلها.
وإذا كان الاتجاه الغالب على الأدبيات الأمريكية ذا نزعة تشاؤمية توحي باحتمال التراجع الأمريكي مع تباين في إيقاع هذا التسارع من كاتب لآخر، فإن كتاب جوزيف ناي "مستقبل القوة" يقف في الطرف المقابل متشككًا في صحة النزعة التشاؤمية تلك، ويسعى لنزع صفة الحتمية عن التراجع الأمريكي، لكنه يشترط لذلك إعادة النظر في مفهوم "القوة" بما يتناسب والسياق التطوري لبنية المجتمع الدولي.
ويدعو ناي لفهم جديد للقوة من ناحيتين: أنماط القوة (وهو الجزء الأول من الكتاب ويركز فيه على القوة الاقتصادية والعسكرية)، وتوزع القوة وانتقالها (وهو الجزء الثاني من كتابه ويتناول فيه نمطين من القوة، هما: القوة الناعمة (soft power) والقوة الذكية (smart power) التي تجمع بين القوة الخشنة والناعمة، ليخلص في نهاية الدراسة لمناقشة موضوع "التراجع الأمريكي" واحتمالاته. بعد أن يناقش مشكلة قياس القوة، وكيف أن مقومات القوة تبدلت عبر التاريخ (في القرن السادس عشر تبوأت إسبانيا مكانتها عبر السيطرة على المستعمرات وتكديس الذهب)، في القرن السابع عشر (اعتمدت هولندا على عنصري التجارة والمال)، أما في القرن الثامن عشر (فلعب عامل عدد السكان والقوة العسكرية الدور الأهم في المكانة الفرنسية)، بينما في القرن التاسع عشر (اعتمدت بريطانيا على نتائج الثورة الصناعية والقوة البحرية)، إلى أن وصلنا إلى المجتمع الحالي والذي تمثل "المعلوماتية" أحد متغيرات القوة المركزية فيه.
ذلك يعني من وجهة نظر "ناي" أن المتغيرات التي تشكّل القوة تتغير من مرحلة تاريخية لأخرى، كما ترافق مع هذه المسألة عناصر جديدة لابد من أخذها في الاعتبار مثل ظهور أطراف جديدة غير الدول على المسرح الدولي (المنظمات الإرهابية، الشركات متعددة الجنسية، منظمات الجريمة المنظمة، المنظمات غير الحكومية.. إلى آخره.).
وقد أفرزت هذه الأطراف أنماطًا جديدة من المشكلات والمنازعات، فقد ساهمت هذه التنظيمات في خصخصة الحرب (وأصبحت تساهم في التدريب والتجنيد والحوار.. إلخ)، وبرزت مشكلات الحروب الفضائية التي تمثل الفيروسات أحد أشكالها والتي تسبب أحدها (فيروس الحب) بخسائر وصلت إلى حوالي 15 مليار دولار، كما أن جماعات الجريمة المنظمة كلفت من خلال انتهاكها للملكية الفكرية وسرقة البيانات حوالي تريليون دولار في عام 2008، كما أن شبكات التجسس الإلكتروني اقتحمت 1295 حاسوبًا في 103 دول منها 30% "أهداف" حكومية مهمة.
ويميز "ناي" بين القوة الناعمة والقوة الذكية، إذ تعني الأولى مجموع أدوات "الإقناع والجذب"، والتي تتم من خلال السمعة الدولية، السلطة المعنوية والأخلاقية، الوزن الدبلوماسي، القدرة الإقناعية، الجاذبية الثقافية، المصداقية الاستراتيجية، الشرعية، بينما تمثل الثانية القوة الناتجة عن الجمع بين أدوات القوة الناعمة وأدوات القوة الخشنة لبناء استراتيجية تتناسب مع تغير الظروف والسياقات. ويرى ناي أن القوة العسكرية سيبقى لها دورها في القرن الحادي والعشرين ولكن "بجدوى أقل" مما كانت عليه في القرون الماضية.
ويرد "ناي" في أغلب صفحات دراسته التي تقع في 272 صفحة على التيار الذي يميل للاعتقاد بتراجع الولايات المتحدة مثل مجلس المخابرات الوطني الأمريكي الذي توقع انتهاء الهيمنة الأمريكية عام 2025، والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف الذي اعتبر أزمة 2008 المالية إشارة لانتهاء المكانة الأمريكية، وزعيم المعارضة الكندية ميشيل إجناتيف الذي دعا كندا للتطلع نحو "خارج الولايات المتحدة" لأن ساعة الهيمنة الأمريكية قد أزفت.
ويشير "ناي" إلى أن القوة العسكرية لا تزال ولفترة قادمة بيد أمريكا، كما أن القوة الاقتصادية متعددة الأقطاب وليست بيد قوة واحدة، وبالتالي فهو لا يقف ضمن فريق المتشككين في المكانة الأمريكية مستقبلا، فهو أميل إلى أنها ستبقى الأقوى ولكن دون أن تكون المهيمنة.