د. أيمن منصور ندا يكتب عن توهم المعرفة
يُروى عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب (1898/1902- 1991) أنَّ أحد أهالينا الطيبين ذهب إليه ملتمساً مساعدته في إيجاد فرصة عمل.. وعندما سأله عبد الوهاب عن طبيعة هذا العمل، أجابه الرجل بثقة: "أي حاجة، حتى لو أمسك العصاية قدام الفرقة الموسيقية" (عصا المايسترو)!! شيء من ثقة
مشاركة
يُروى عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب (1898/1902- 1991) أنَّ أحد أهالينا الطيبين ذهب إليه ملتمساً مساعدته في إيجاد فرصة عمل.. وعندما سأله عبد الوهاب عن طبيعة هذا العمل، أجابه الرجل بثقة: "أي حاجة، حتى لو أمسك العصاية قدام الفرقة الموسيقية" (عصا المايسترو)!! شيء من ثقة هذا الرجل، ومن قدر معرفته بوظيفة قائد الفرقة الموسيقية، هو ما يسود في كثير من مجالات حياتنا المعاصرة.. وهو ما يُطلِق عليه البعض "توهم المعرفة"، أو "العلم الزائف"؛ الذي هو أشدُّ خطراً من دائرة الجهل المطبق، على النحو الذي ذهب إليه جورج برنارد شو (1856- 1950): "انتبه ادعاء المعرفة أشدُّ خطراً من الجهل"... وهو نفسه ما أشار إليه الفيزيائي ستيفن هوكينج (1942- 2018): "إنَّ أكبر عدو للمعرفة ليس الجهل؛ بل توهم المعرفة"...
في عالمنا العربي نعيش في فقَّاعة معرفية كبيرة؛ ظاهرها فيها العلم والمعرفة، وباطنها من قِبلها الجهل والعذاب.. كثير من النتائج التي يتم نشرها في مجالات علمية عديدة هي نتائج غير علمية وغير دقيقة.. وكثير من الأحكام التي نعتمد عليها في تسيير شئون حياتنا اليومية هي أحكام يختلط فيها العلم بالخرافة، وأشبه بالعلم الناقص الذي اعتبره شكيب أرسلان (1869- 1946): "أشدَّ خطرًا من الجهل البسيط... وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، أقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم"... كان أرسطو (384- 322 ق.م.) يقول: "الجاهل يؤكد، والعالم يشك"، وأكثرنا في العالم العربي دائمو التأكيد رغم ضآلة معارفنا.. نحن أشبه بما قاله الكاتب الأمريكي مارك توين (1835- 1910): "كلُّ ما نحتاجه لتحقيق النجاح في الحياة هو الجهل والثقة".. ورغم ذلك فلسنا ناجحين.. وكان أولى بكثير منا اتباع نصيحته الخالدة: "من الأفضل لك أن تغلق فمك وتترك الناس يعتقدون أنك أحمق، من أن تفتحه وتمحو كل شك"!!...
عشرة أسباب يمكن الإشارة إليها في هذا المجال نعرض لبعضها هذا الأسبوع ونكملها في الأسبوع القادم.. يأتي على رأسها غياب التعليم الرياضي/ الهندسي في مدارسنا وجامعاتنا.. لا يوجد علم حقيقي بدون معرفة عميقة بالرياضيات.. حتى الفلسفة نفسها هي منظومة رياضية.. الفلاسفة العظام (سقراط/ أفلاطون/ أرسطو/ فيثاغورث/ هيجل/ ديكارت/ الفارابي/ ابن سينا/ ابن رشد....) كانوا أصحاب نظريات رياضية وهندسية متعمقة.. دراسة الرياضيات في كافة المراحل الدراسية والتخصصات العلمية ليست اختياراً، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك.. إبعاد الرياضيات عن الدراسة بمراحلها الدراسية المختلفة هو نزع للروح من الجسد العلمي، وإلقاء بالعلم في غياهب الخرافة.. قديماً قالوا: أمة بلا رياضيات أمة ميتة.. والدول التي تريد أن تحيا يكون التفكير الرياضي غذاؤها.. الهند الدولة الأكثر تقدماً في مجال الرياضيات تصدر برمجيات تقدر قيمتها سنوياً 156 مليار دولار.. وعلماؤها هم رؤساء مجالس إدارات شركات البرمجيات الكبرى في العالم.. الأمر نفسه بالنسبة للصين وكوريا الجنوبية اللتين يفوز طلابهما بمعظم المنح الدراسية في الولايات المتحدة، ويشغلون كثيراً من البرامج العلمية المتقدمة فيها بسبب تقدمهم في الرياضيات...
ثانياً: ضيق الحال الذي يعانيه معظم أساتذة الجامعات، والمسئولون عن مراكز البحث والعلم.. العلم الحقيقي بضاعة راكدة "أتلفها الهوى" في مجتمعاتنا العربية.. أقلُّ الناس دخلاً هم أساتذة الجامعات، وأتعسهم هم المشتغلون بمهنة التفكير.. انشغل هؤلاء بلقمة العيش الضرورية على حساب البحث العلمي الحقيقي.. راتب أستاذ الجامعة أو الباحث الحقيقي لا يفتح بيتاً ولا يقيم أوداً.. لذلك ظهر في السنوات الأخيرة "أستاذ الكشكول"، و"الأستاذ الدوَّار" على الجامعات والمؤسسات التعليمية المختلفة، طمعاً في محاضرة إضافية، أو مكافأة خاصة.. كان المتنبي (915- 965) يقول:" فَلا مَجْدَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُه/ وَلا مَالَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُه".. لا يوجد علم بدون امكانات مادية تدعمه، ولا يوجد تقدم بدون علم يسنده.. دائرة مفرغة، ليس لها بداية، ولا نهاية... وصف ونستون تشرشل (1874- 1965) أحدهم جاء يعرض عليه بعض أعماله: "هذا رجل متواضع.. ولديه من الأسباب ما يجعله أكثر تواضعاً".. وواقع الأساتذة والمفكرين بسبب حالتهم المادية المتدنية يرغمهم على أن يكونوا أكثر تواضعاً مما يظن الكثيرون...
ثالثاً: اختلاط المفاهيم والمصطلحات وعدم دقتها.. لدينا نسختان تعريفيتان من كل مصطلح؛ إحداهما المعترف بها عالمياً، ولا تؤخذ بها عندنا، ولا يُعْترف بها لدينا، والأخرى هي النسخة المعربة منها، وهي نسخة "مضروبة" في غالب الأحيان.. الاحتراف في الرياضة مثلاً له ضوابطه وقوانينه الملزمة في الخارج.. لدينا الاحتراف يعني شيئا آخر؛ يتعلق بالحقوق ولا يتعلق بالواجبات؛ يتعلق بالقبض ولا يتعلق بالركض، ويرتبط بالراتب ولا يرتبط بالواجب... الدراسات الكيفية في الغرب لها مفهومها الدقيق، ولها إجراءاتها المحددة، وقابلية نتائجها للتحقق منها.. لدينا على العكس، الدراسات الكيفية مرتبطة بالكيف (المزاج).. ولا يمكن التحقق من صحة إجراءاتها.. ولذلك تصبح النتائج المترتبة عليها مضحكة، ومخزية.. إضافة إلى ذلك، فإن مناهج البحث الكمية التي نقوم بتدريسها للطلاب سطحية ومتأخرة.. مناهج البحث لدينا تركز على طرق جمع البيانات وليس على طرق تحليلها.. ولذلك تأتي نتائج الدراسات سطحية في أغلبها وتخلو من ضوابط المنهج العلمي المتعارف عليه دولياً، ويقل نتيجةً لذلك نشر دراساتنا في الدوريات العلمية الدولية، خاصة في العلوم الإنسانية.. والمفارقة أننا نقارن نتائجنا بنتائجهم، وأحوالنا بأحوالهم... وينطبق علينا قول نزار قباني (1923- 1998): "إنهم يريدون أن يفتحوا العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب"!...