قراءة في المجموعة القصصية (مصدر قلق) للأديب والصحفي جمال عبد المجيد
بقلم: يحي سلامة في مداخلتي أثناء حفل توقيع مجموعة (مصدر قلق) صارحت الأديب جمال عبد المجيد بأني كقارئ للأدب أحسد الأدباء الذين يعملون في مهنة (الصحافة) أو مهنة (المحاماة) وذلك لتوافر مئات الحوادث التي تصلح للمعالجات الأدبية وخروجها
مشاركة
بقلم: يحي سلامة
في مداخلتي أثناء حفل توقيع مجموعة (مصدر قلق) صارحت الأديب جمال عبد المجيد بأني كقارئ للأدب أحسد الأدباء الذين يعملون في مهنة (الصحافة) أو مهنة (المحاماة) وذلك لتوافر مئات الحوادث التي تصلح للمعالجات الأدبية وخروجها في أشكال أدبية متنوعة بين الرواية الطويلة والقصة القصيرة لما تحتويه هذه الحوادث من زخم وأحداث ودوافع نفسية وإجتماعية قد تجهد الأدباء (غير المنتمين للمهنتين) في تصويرها وإخراجها علي الأوراق.
وبعد استمتاعي بقراءة المجموعة كاملة تأكدت لي وجهة نظري المتواضعة وأني كنت علي حق في هذا الحسد (المحمود بالطبع) لذلك الأديب والصحفي الذي قدم في مجموعته المتميزة (مصدر قلق) قصصا تنتمي إلي المدرسة الواقعية في كتابة القصة القصيرة والرواية معا.
فالقصة الأولي في المجموعة وهي قصة (جبروت إمرأة) هي قصة حقيقية تعود إلي عام 1937وتحديدا وقت العرض الأول لفيلم (سلامة في خير) لنجيب الريحاني في الإسكندرية ليتوقف عرض الفيلم بمجرد ظهور ممثلة يونانية أدت دور (أم ياني) جارة نجيب الريحاني في الفيلم بسبب صراخ أحد المشاهدين بمجرد رؤيتها وبعد تدخل الشرطة لتهدئة الرجل واصطحابه لقسم الشرطة تتكشف خيوط الجريمة أن هذه المرأة كانت وراء قتل شقيق زوجها وأمه بمساعدة زوجها الذي شرعت في قتله هو الأخر وهربت بعد استيلاءها علي أمواله ليراها علي شاشة السينما وقت عرض الفيلم فلم يكن ذلك المتفرج إلا زوجها وتم القبض عليهما وإعدامهما في عام 1938 ليأخذ الكاتب هذه الحادثة وينسج قصته التي تصدرت المجموعة والحقيقة أنه أجاد معالجتها دراميا.
وبعين الصحفي وقلم الأديب جاءت قصص (المهمة المستحيلة) والتي عالجت تسهيل مهمة تجار المخدرات في بيع سمومهم عن طريق فساد بعض صغار العاملين بجهاز الشرطة وقصة (بائع الأرشيف) التي تنتمي إلي أدب الجاسوسية وقد لامس الكاتب فيها سرقة بعض الوثائق الهامة من دار الكتب والوثائق القومية والتي تمثل أرشيف الوطن وتاريخه مايذكرنا بحادث إختفاء مخطوطة كتاب (الأم) الأصلية للإمام الشافعي وبعض الوثائق الأخري من دار الكتب والوثائق القومية مما يعد أمرا مثيرا للشك والريبة ويتلامس مع رؤية الكاتب في قصة بائع الأرشيف ومعالجته بطريق أدب الجاسوسية
وبعين الصحفي والأديب كانت قصة (وحدي في المنزل) والتي صرح الكاتب أنها قصة حقيقية لعجوز أعزب عاش رافضا للزواج مات وحيدا في منزله أمام شاشة التليفزيون وتم العثور علي جثته بالصدفة .
وتأكيدا علي الإتجاه الواقعي الذي عمد إليه الكاتب جاءت قصة (ديب فريزر) وقصة (بين معاشين) لمعالجة موضوع الاحتفاظ بالمعاش دون استحقاق شرعي أو قانوني كما هو معروف.
استوقفتني قصة (المحطة خالية ) وكأن الإسم صادف نوع القصة فهي وقصة (يافرج الله) القصتان الوحيدتان في المجموعة اللتان يصعب انتماءهما للمدرسة الواقعية فالقصة الأولي (المحطة خالية) رومانتيكية من الألف إلي الياء وهي قصة حب نشأ وكبر لمدة 3 سنوات ولم يضبط الحبيبان متلبسان بشهوة حيوانية أو خيانة من أحدهما وإنما كان حبا نظيفا بين رجل متزوج وأرملة.
وعلي نفس المنهج الرومانتيكي جاءت قصة (يافرج الله) التي عالجت حب الزوج لزوجته وعدم تخليه عنها ورفضه الزواج بأخري لعدم قدرة زوجته علي الإنجاب والصبر عليها حتي حملت الزوجة فجأة وأنجبت ولدا بعد 13 سنة من العقم وتم ذلك الحمل بعد إنهيار مقاومة الزوج واستسلامه لرغبة أمه بالزواج بزوجة ثانية فيفرح بحمل زوجته وينسي الزواج بأخري وهو نفس ما اعتمده الكاتب في قصة (المحطة خالية) عندما غابت الحبيبة الأرملة وظهرت الزوجة علي محطة المترو لتكون النهاية السعيدة برجوع الزوج إلي زوجته ليؤكد الكاتب في القصتين علي رفضه لفكرة الزواج الثاني مهما كانت الدوافع والمغريات وهو مايكسب القصتين هدفا إجتماعيا رغم إتكاءهما علي الرومانتيكية.
وبالطبع هذه النهايات السعيدة للقصتين وكذلك النهايات السعيدة او لنقل النهايات المنطقية لقصص الحوادث (جبروت إمرأة -المهمة المستحيلة -بائع الأرشيف) وهي النهايات التي انتصرت لقيم العدالة والوطنية والنزاهة والوفاء أو بتغليب الخير علي الشر وهي ماتعتمد عليه المدرسة الواقعية التي تعتبر الأدب رسالة إجتماعية وذات هدف إجتماعي لترسيخ قيم بعينها.
وانطلاقا من هذه الوظيفة الإجتماعية للأدب غابت عمدا ومع سبق الإصرار النهايات السعيدة عن قصة (مصدر قلق) التي حملت عنوان المجموعة وهو عنوان إختاره الكاتب لخمسة مشاهد يمثل كل مشهد منهم قصة قصيرة جدا (ق.ق.ج.)بالمفهوم الحداثي لكتابة القصة القصيرة وهذا الغياب المتعمد للنهايات السعيدة هو سر نميز هذه القصص الخمسة لأنها تعرض مشاكل وحوادث عصرية ملحة ونكاد نصادفها يوميا بل كل ساعة علي صفحات الحوادث والمواقع الإخبارية نتبجة الإستخدام السيئ لوسائل التواصل الإجتماعي بكافة مسمياتها ومن خلال هذه القصص الخمسة تعرض الكاتب لكل المراحل السنية ولكل الأنواع (رجال ونساء وشباب وبنات) راصدا إنحرافات السوشيال ميديا ومنبها أنها بالفعل (مصدر قلق) لبيوتنا ومجتمعاتنا وقد حالفه التوفيق أن يختار تلك المشاهد او القصص القصيرة جدا (مصدر قلق) عنوانا لمحموعته القصصية والتي أكد بها انتماء المجموعة في أغلب قصصها للأدب الواقعي والوظيفة الإجتناعية للأدب .
أما عن الملاحظات فقد وقع الكاتب في فخ التطويل والحشو الزائد للأحداث وهو مالاحظته تحديدا في قصة (بائع الأرشيف) وقصة (يافرج الله) وكذلك استرسال الحوار بالعامية علي حساب السرد في قصة (يافرج الله).
لأقول في الأخير أن مجموعة (مصدر قلق) للأديب والصحفي جمال عبد المجيد مجموعة متميزة جديرة بالقراءة والاحتفاء والقراءات النقدية.