دكتور شعبان مرسي نجم دار العلوم الذي أظلم جزءٌ ما في عالمنا بعده
كتبته/ إسراء محمد نجيب دار العلوم.. ذلك الصرح الذي شيده علي مبارك، ليس مجرد بناء تعلبمي من حجر وأخشاب، بل إنه كائن حي له قلب ينبض، وروح قدسية لها شذى خاص يتوغل في داخل من له قلب أو ألقى السمع حبا لنبضها الحي.. ولم تكن تلك الحقيقة بفضل الحجارة والأخشاب بالطبع، بل بفضل من
صورة توضيحية
مشاركة
كتبته/ إسراء محمد نجيب
دار العلوم.. ذلك الصرح الذي شيده علي مبارك، ليس مجرد بناء تعلبمي من حجر وأخشاب، بل إنه كائن حي له قلب ينبض، وروح قدسية لها شذى خاص يتوغل في داخل من له قلب أو ألقى السمع حبا لنبضها الحي.. ولم تكن تلك الحقيقة بفضل الحجارة والأخشاب بالطبع، بل بفضل من سكنت أرواحهم فيها، الذين أرسلوا أشعتهم لتشمل الأجساد المرهقة دفئا وسلاما، وتهدي الأبصار الحائرة سبل السلام.
الأستاذ الدكتور شعبان مرسي عليه سحائب الرحمة والمغفرة
ولم يكن علماء الدار (دار العلوم) شاغلهم اللغة والأدب والشريعة الإسلامية وعلومها وحسب، بل كان يشغلهم الوطن، مصر العزيزة، بألامها وآمالها، يسري في دمائهم حبها، ويرسلونه عبر الأفواه الناطقة أو الأقلام الصادقة، كلما سنحت لهم فرصة أو اتسع لهم ميدان.
وأحد قامات الدار العِظام، نجمها الذي أظلم جزءٌ ما في عالمنا بعد فقده، إنه الأستاذ الدكتور شعبان مرسي، أحد المصابيح التي صدَّرت للعالم بأسره علما وخلقا، ولا يُعلم للنجم قدرٌ إلا بعد أفوله..
كم شكر الجميع في أخلاقه وعلمه وسماحته وطيب نفسه! ولكن لي موقف جمعني به، ولم أكن أعرفه من قبل قًطْ، حيث كنت طالبة في الفرقة الثانية، وكان مقررا علينا اختبار شفوي، يختبر كل أستاذ مجموعة من الطلاب بأن يقرؤوا عليه شيئا من القرآن أو الشعر أو أي نص فصيح بليغ، ثم يسألهم في نحوه أو صرفه أو بلاغته أو ما إلى ذلك.. وذهبتُ يوم اختباري متأخرة، رأيت أن شعبتي ستختبر مع الدكتور شعبان مرسي، ولم أكن على علم به، ذهبت، فإذا بهم قد اختبروا ولم يتبق إلا أنا وزميلة أو زميلتان، طرقتُ البابَ ودخلتُ، رأيته بين أستاذين يساعدانه، كان حضوره مهيبا جليلا، وقفت مليا حتى أذن لي فجلست، وكانت معي زميلة أخرى، كتب الأستاذ المساعد اسمينا، ثم سألني الدكتور شعبان عن النص الذي سأقرؤه، فقلتُ: "قصيدة: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، لأمل دُنقل". فقال مُعجبا بالنص: "يا سلام! أتدرين لماذا كتب أمل دُنقل هذا النص؟". فقلتُ: "أجل، بعد أحداث نكسة ١٩٦٧"، فهز رأسه بالإيجاب وقال: تفضلي يا بنيتي. قلتُ جزءا من القصيدة، ألا وهو:
"أيتها العرافة المقدَّسةْ ..
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ ..
عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!"
كان منصتا للغاية، حتى بدا عليه التأثر، وكأنه حان البكاء.. فاستوقفني سائلا: "أتدرين من هي زرقاء؟". فقلت: "امرأة قيل إنها كانت ترى من على مسافة أيام، وحذرت قومها من الأعداء الذين كانوا يتحركون تجاههم ليغيروا عليهم متخفين بالأشجار، فلم يصدقوها.." هز رأسه مجيبا،: "أجل وقبل النكسة أيضا كان هناك من ينصح السلطة قبل الحرب، ولم يفعلوا بنصائحهم، وكان الجنود يموتون عطشا على الحدود، والإذاعات المصرية تشيد بانتصارات الجيش المصري ... وكانت فترة عصيبة تعيشها البلاد من الألم، حتى لم يفق من غيبوبة تلك النكبة إلا بنصر أكتوبر المجيد ١٩٧٣..."
كان حديثه هادئا مريحا، معبئًا بالحكمة والألم والشعور بعظمة هذا الشعب الذي استطاع أن يقف بعد فترة وجيزة من هزيمة ساحقة إلى نصر مؤيد.. ولجت كلماته إلى روحي، ألقت فيَّ جنين أمل من صلب الألم، وفي داخلي وجدت أن ههنا تكمن حقيقة الأديب وشأن الأدب، فهو الناقل لأعماق الصورة، الثائر على كل ما هو غير إنساني، وعلى كل مظاهر الكذب أو الضعف.
ابتسم لي وقال: "أين كنتِ يا بنيتي؟ لقد ظللتُ منذ الصباح أقابل طالبات لا يعرفنَ الفرق بين الفعل والفاعل! وشعرتُ بالضيق والغضب.. حتى قرأتِ أنتِ نصكِ هذا، بطريقتك وإلقائك، فعلمت أن دار العلوم ما زالت بخير ..." أكد الأستاذان الحاضران كلامه، وإذا بأستاذ خلفي يقول: "والله كدتُ أبكي وأنتِ تقرئين.."، فالتفتُّ إليه مبتسمة، وإذا بأستاذي الفاضل شعبان مرسي يطلب أن يُحضَرَ له أحدُ كتبه من مكتبته المتواضعة، وكتب لي توقيعا، وقدمه هدية لي.
تعلق ذلك الموقف بذهني، بل توغل في أعماقي، وبعد عدة أشهر ذهبت لمقابلة أستاذي مرة أخرى، كنت بين خوف ورجاء، الخوف من كونه نسيني، ورجاء أن لا يكون كذلك.. طرقت الباب ودخلتُ.. كان جالسا بنفس هيئته وهيبته التي عدته بها أول مرة، لا يأكل الكِبَرُ منهما شيئا، وقفت أحييه، وسألته: "أتذكرني أستاذي؟"، فاجأني بقوله: "بالطبع، صاحبة زرقاء اليمامة"، ابتسمتُ لهذا اللقب الذي لامسني، وأخذتُ أشكره وأعبر له عن مدى تقديري وإجلالي له، وشعرتُ أن كل الكلمات لا توفي حقه.. شكرني وأثنى عليَّ، وانصرفتُ كيمامةٍ حررتها فرحتها من قفص خوفها. وكان ذلك لقاؤنا الأخير مع الأسف.. قطفه الموت ككل زهرة يحين ذبولها، وكل نجمة يحين أفولها، وكلن أمرا مفزعا مؤرقا لنفسي، ندمت كثيرا أننا لم نستطع التلاقي مرة أخرى لمرضه وتغيبه.. تعللت به كثيرا رغم أننا لم نلتقِ إلا مرتين..!
وأقول ههنا: إن الأدب ليس مضياعا للوقتِ أو يجعلنا نعيش في واقع منفصل، إنما هو نافذة الحياة في واقعنا المميت.. هو أنفاس البرد في جحيم الواقع ومصائبه.. ولا بد أن يكون كل أديب ذا نفْس مهذبة راقية مرهفة الحس والشعور، يحب بصدق، ويتواضع للطير والشجر والحجر.. كما كان أستاذنا الفارس، كانت نفسه تنغمس في محبة صادقة، ففي أعماقه شجرة تُروى بالحب.. كبرت وتعاظمت سوقُها وفروعها حتى صارت ذات ظل وارفٍ أظلت تحته الماضي والحاضر والأصدقاء والغرباء.. رحمة الله على نفس أستاذنا، ورحمنا الله من بعده، وبارك لنا في أمثاله.