أقلام حرّة

من السؤال الجرئ إلي الإيمان العميق . رحلة مصطفى محمود 

 

بقلم …سلمى أبو النجا

 

 

لم يكن الدكتور مصطفى محمود داعيةً تقليديًا، ولا كاتبًا يبيع الطمأنينة السهلة، بل كان مفكرًا اقتحم أخطر منطقة يمكن للإنسان أن يدخلها: منطقة الشك. دخلها وحده، بلا أقنعة، وبلا خوف من الاتهام، وخرج منها بإيمانٍ مختلف… إيمانٍ يعرف لماذا يؤمن.

في زمنٍ كان فيه الشك يُدان، والأسئلة تُكتم، اختار مصطفى محمود أن يسأل بصوتٍ عالٍ. لم يرَ في السؤال جريمة، بل اعتبره واجبًا عقليًا. فتمرّد على الموروث، وغاص في الفلسفة، وطرق أبواب الإلحاد، لا رغبةً في الهدم، بل بحثًا عن يقينٍ لا يتزعزع.

كانت رحلته قاسية. شكّ في كل شيء، حتى في الله. لكنه شكّ العارف، لا العابث. شكّ الباحث الذي يرفض أن يسلّم عقله لأي فكرة دون دليل. وحين انتهى من رحلته الطويلة، لم يعد ليكفّر من شكّ، بل ليقول له: تعال… لقد مررتُ من هنا من قبلك.

في كتابه الأشهر «رحلتي من الشك إلى الإيمان»، لم يقدّم موعظة، بل شهادة إنسانية نادرة. كشف ضعفه، حيرته، خوفه من العدم، وانكساره أمام عظمة الكون. فكان الكتاب صادمًا وصادقًا في آنٍ واحد، لأنه لم يُكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب معركة داخلية حقيقية.

أما برنامجه «العلم والإيمان»، فلم يكن مجرد برنامج تلفزيوني، بل مشروع وعي. أعاد فيه ترتيب العلاقة بين الدين والعلم، رافضًا أن يكون أحدهما عدوًا للآخر. أثبت أن الإيمان لا يخاف من المجهر، وأن العلم حين يتجرد من الغرور، يقود صاحبه إلى السجود.

تميّز مصطفى محمود بلغةٍ هادئة لكنها قاطعة، لا تصرخ، ولا تُزايد، ولا تُخدّر. كتب عن الإنسان المرهق، عن التعب النفسي، عن الوحدة، عن الفراغ الذي لا تملؤه المادة. وكان صريحًا حين قال إن أكثر أمراض العصر ليست في الجسد، بل في الروح.

لم يكن ملاكًا، ولم يدّعِ العصمة. تغيّر، وتناقض أحيانًا، واعترف بذلك. وربما كانت هذه أكثر صفاته صدقًا. فقد علّمنا أن الثبات الأعمى ليس فضيلة، وأن المراجعة شجاعة، وأن الله لا يُغضبه العقل، بل يغضبه تعطيله.

رحل الدكتور مصطفى محمود جسدًا، لكن معركته ما زالت مستمرة في عقول قرّائه. ترك خلفه سؤالًا مفتوحًا لكل إنسان:

هل نؤمن لأننا ورثنا الإيمان؟ أم لأننا بحثنا فوجدنا؟

ذلك هو إرث مصطفى محمود الحقيقي…

أن تفكّر،

ثم تؤمن،

وأنت مطمئن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق