بروفايل

رجائي الميرغني: القديس الزاهد

 

بقلم : الهامي الميرغني

 

عمي العزيز رجائي الميرغني يمكن ان نصفه بحق بالقديس الزاهد. وقد شاء القدر ان نتقارب في مختلف مراحل الحياة. كان أهم ما يميزه عن الكثيرين القدرة علي الإنصات والتركيز وبذل كل الجهد لفهم مقاصد المتحدث. ويندر أن تجد شخصا لديه الصبر وطول البال والقدرة علي الإنصات مثله. عندما كان يشارك في جلسة عائلية او عامة كان يستمع للجميع، الصغير قبل الكبير ولكنه يتعفف عن الحديث إلا إذا طُلب منه ذلك فتشعر في سلوكه بنوع من انواع الزهد الصوفي والسمو فوق حب الظهور وشهوة الكلام.

علي مدي علاقتنا الممتدة عبر الزمن كان لديه دائما رؤية ووجهة نظر في كل شئ من الفلسفة والسياسة والفن إلي الأغاني والفن التشكيلي وكرة القدم والسينما والمسرح. ولم يُضبط علي إمتداد حياته يستعرض معلوماته الغزيرة، لكن حين تتوجه إليه طالباً رأيه ومشورته في موضوع أو قضية ما، تجد عالم ومفكر موسوعي يعرف الكثير ويحاول تبسيط أعقد نظريات العلم والمعرفة والفلسفة وبأسلوب شيق. لا يفرض رأيه بل يفتح أمامك الطرق والبدائل ويدفعك للبحث الذاتي لتصل الي يقين أعلي، وكلما أحرزت تقدما كلما شعرت بفضل هذا القديس والمفكر الكبير.

بداية المرحلة الجامعية كانت رحلة البحث عن الذات، وكان رجائي دائما، هو المرشد الروحي لكل شباب الأسرة والأصدقاء. عندما نسهر في “قلعة شبرا الخيمة” ( الشقة الأولي التي كان يسكنها في القاهرة) ونطرح بعض التساؤلات والإشكاليات التي تشغلنا، نجده يتحدث وتنساب أفكاره وكلماته لتمس العقل وتدفعه للمزيد من البحث. ومهما احتد البعض وأخذته الحماسة، كان العم رجائي يستمع ويتحدث بكل هدوء ليوضح رأيه الذي يُنهيه بحزمة تساؤلات تدفعنا للمزيد من البحث والتنقيب ونتعلم أن الصوت المرتفع لا يدل علي صحة رأي صاحبه بل ربما العكس.

كان رجائي متذوق رفيع المستوي لمختلف أنواع الفنون ولاحترامه لقيم العلم التحق -رغم انشغالاته بالعمل الصحفي- فور تخرجه بمعهد التذوق الفني وأكمل الدراسة لمدة سنتين للحصول علي دبلومة المعهد. كان رجائي حريص علي أن نسمع معه سيد درويش وزكريا أحمد والسنباطي وعبدالوهاب وأم كلثوم وفيروز وفي نفس الوقت نستمع لموزارت وبيتهوفن والموسيقي الكلاسيكية العالمية ، كان يصحبنا ،شباب الأسرة والاصدقاء، إلي اسابيع الفيلم السوفيتي والفيلم الايطالي والفيلم المجري وبعد العودة يبدأ حوارا ممتعا حول تحليل الفيلم، وعرفنا منه العناصر التي تشكل في تضافرها ملامح تميز العمل الفني وكيف نقيمها.

رجائي الميرغني مثقف موسوعي وسياسي مخضرم ونقابي نموذجي عمل بالصحافة وعشقها ولم يعاملها كمجال عمل وأكل عيش بل مهنة وهو صنايعي شاطر فيها ومحب لها ولكل أهل الصنعة الصحافية.

كان وجود رجائي في حياتنا مصدرا للفخر والسعادة وهو الملاذ والملجأ في المشاكل والملمات. وكان منزله دائما زاد المسافر واستراحة العابرين وصالون الفكر والأدب والفن. لذلك فإن غيابه يشكل خسارة لاتعوض وفراغ لا يمكن أن يملأه أحدا بعده. ولا أملك الإ ان أقول له:

“وحشتنا قوي يا رجائي”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق