عالِمٌ .. وكتابٌ عربيٌ
بقلم د. فوزي خضر جلست عفاف الدمشقية وصديقتها زهرة في غوطة دمشق تلك الحديقة الجميلة، وعلى بعد عشرين متراً سقط شاب على الأرض فارداً ذراعيه، يرتدي ثوباً فيه خطوط زرقاء، ضحكت زهرة طويلاً: هل رأيت كيف سقط كالجوال يا عفاف؟ عاتبتها عفاف: فمن الواضح أنه شاب مسكين وليس مذنباً، قا
مشاركة
بقلم د. فوزي خضر
جلست عفاف الدمشقية وصديقتها زهرة في غوطة دمشق تلك الحديقة الجميلة، وعلى بعد عشرين متراً سقط شاب على الأرض فارداً ذراعيه، يرتدي ثوباً فيه خطوط زرقاء، ضحكت زهرة طويلاً: هل رأيت كيف سقط كالجوال يا عفاف؟ عاتبتها عفاف: فمن الواضح أنه شاب مسكين وليس مذنباً، قالت زهرة: بل هو مذنب لأنه يمشي بغير غلام يقوده، وبعد ماذا تراه جاء ليرى في الغوطة وهو أعمى (وضحكت طويلاً).
قام الشاب صاحب الثوب ذي الخطوط الزرقاء ينفض ثوبه، وحينذاك اقترب منه خادمه شهيب قائلاً: ها أنذا قد أحضرت لك النبات الذي أمرتني بقطفه يا سيدي، سأله هل توجد إمرأتان في تلك الناحية يا شهيب؟ فأجابه: تجلس فتاتان في ظل شجرة، سبحان من صورهما، فأمره أن يقوده إليهما وأخبر زهرة أنه لا يشعر بأي نقص كونه لا يبصر بعينيه، لأنه يبصر بعقله ما يعجز أن يراه المبصرون بعيونهم، وأن لديه الدليل على كلامه، فهو أعظم من يداوي المرضى في طول البلاد وعرضها.
هتفت به عفاف: لعلك الطبيب داود الأنطاكي !! .. قال: أنا داود. أخبرته عفاف أن أباها مريض جداً وعجز الأطباء عن مداوته، والتمست منه أن يذهب معها ليعالجه.
نعم .. كان داود بن عمر الأنطاكي أشهر أطباء عصره، وهم من أعظم الصيادلة في تاريخ البشرية، عاش بين (950- 1008م) وارتحل عبر بلاد كثيرة ثم استقر في مصر، صار رئيس أطباء مصر والشام في عهد الدولة العثمانية لبراعته في مداواة المرضى وكان يدرِس الطب، صنف ستة وعشرين كتاباً أهمها (تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب) الذي اشتهر ملخصه بين الناس بعنوان (تذكرة داود).
جمع داود الأنطاكي في كتابه ثلاثة آلاف نوع من الدواء منها ثلاثمائة من اكتشافه، تضم أدويةً مركبةً نباتيةً وحيوانيةً ومعدنيةً وتم تدريسه في أوروبا زمناً طويلاً، يقع الكتاب في حوالي سبعمائة صفحة من القطع الكبير، ينقسم إلى مقدمة طويلة ضمنها كثيراً من آرائه المهمة عن الطب وصلته بالعلوم الأخرى وما ينبغي لمن يدرسه ومن يمارس مهنة الطب وغير ذلك، وقد رتب ذلك الكتاب على حروف المعجم ذاكراً الدواء وما يعالج من أمراض. ومن آرائه .... على سبيل المثال- أن دارس الطب لابد أن يدرس الجغرافيا لكي يعي أن هناك أمراضاً تنتشر في البلاد الحارة وأخرى في البلاد الباردة وثالثة في البلاد معتدلة المناخ، كان سابقاً لعصره في هذا الأمر، فبعد تسعمائة عام صار هناك قسم في كليات الطب لدراسة أمراض المناطق الحارة. أما أعظم ما قدمه داود الأنطاكي لعلم الصيدلة فهو قانون الدواء، فقد ذكر أنه وضع خطة في بحوث الدواء قال إنها تتكون من عشرة قوانين، أضاف بها ما لم يكن يستخدم سابقوه من تاريخ لصلاحية الدواء وغيره من الأمور الخطيرة، أما القوانين التي اختطها فكانت: ذكر اسم الدواء – النبات مثلاً – باللغات المختلفة، وماهيته، والحسن منه والردئ، وذكر درجة الكيفيات الأربع وهي نظرية تقول باختصار إن ظواهر الكون تتكون من أربعة عناصر: الماء والهواء والتراب والنار، ولها أربع صفات هي : الحرارة والجفاف والرطوبة والبرودة ويقابل هذه العناصر والصفات أربعة أخلاط في الانسان هي: الدم والصفراء والبلغم والسوداء (وهو افراز الطحال)، وتتحقق الصحة للإنسان بتعادل هذه الأخلاط تعادلاً تاماً، بعد ذلك يذكر داود الأنطاكي منافع الدواء في سائر البدن، ثم كيفية استخدامه مفرداً أو مع غيره من الأدوية، ثم يذكر مضار الدواء وما يصلحه ثم مقداره، ثم البديل إذا لم يكن الدواء متوافراً ، وذكر الأنطاكي أمرين في غاية الأهمية أولهما زمن صلاحية الدواء وحفظه، وثانيهما موطن الدواء وأماكن وجوده. وقد عرض قواعد أساسية في صناعة الدواء وطريقة العلاج، وكذلك وصفات عامة وعشرات من الأكحال والمراهم والسفوف والتراكيب المختلفة.
ورغم أن داود الأنطاكي قد اتبع عامة الناس فيما انتشر بينهم من وصفات واستعمالات لا يقرها الطب الحديث، إلا أن أستاذيته لا تنكر، وله أفضال على علم الصيدلة، يكفي أنه يوجد الآن كتاب في كل صيدلية في أرجاء العالم، يشتمل على قانون الدواء بالنهج الذي وضعه العالم العبقري الذي ألف كتاب (تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب) ذلك الكتاب العربي الذي علم العالم.