"الجمعة اليتيمة فى رمضان"
كتب: إسماعيل أبو الهيثم تعارف الناس علي تسمية الجمعة الأخيرة من رمضان الجمعة اليتيمة. وذلك بسبب أنّ هذه الجمعة لا يأتي بعدها جمعةٌ أخرى في شهر رمضان ، وقاموا بوضع تقاليد وعاداتٍ يمارسونها في هذا اليوم، لكنّ الشّرع قد زان هذه الأفعال والعادات بميزانه الخاصّ. فحكم في ذلك بأ
كتب: إسماعيل أبو الهيثم
تعارف الناس علي تسمية الجمعة الأخيرة من رمضان الجمعة اليتيمة. وذلك بسبب أنّ هذه الجمعة لا يأتي بعدها جمعةٌ أخرى في شهر رمضان ، وقاموا بوضع تقاليد وعاداتٍ يمارسونها في هذا اليوم، لكنّ الشّرع قد زان هذه الأفعال والعادات بميزانه الخاصّ. فحكم في ذلك بأنّ كلّ ذلك بدعةٌ لا أصل لها، وإحداثٌ في تعاليم الشّرع. ولا يجوز العمل بها فرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إيَّاكم ومُحدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة "
من هنا نؤكد أنه لا خصوصيّة للجمعة الأخيرة من شهر رمضان بعبادةٍ ما، لأن ذلك ليس له أي أصلٍ في الشَّرع، ولا يصحّ بأي شكلٍ، ولا تُشرع فيها أي صلاةٍ خاصّةٍ فيها، فليس هناك أي فرقٍ بين الجُمعة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة من شهر رمضان، ولم يصحّ أنّ عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- خصّ الجُمعة الأخيرة من رمضان بأي صلاةٍ أو عبادةٍ، والاعتقاد بتخصيص الجُمعة الأخير من رمضان بعبادةٍ ما من البِدَع المُحدثة في الدِّين، وليس في الشرع صلاة مخصوصة لهذا اليوم ، تجبر كل ما فات من الصلوات المتروكة ، وذلك بعيدٌ كلّ البُعد عن أحكام الإسلام، ومن الأمور المُبتدعة التي لم تصحّ، إذ لم يُشرع إشارةً، أو دلالةً، أو قياساً، أو إجماعاً، ولا صحّة لتكفير الذّنوب، أو تكفير الصلوات المتروكة طوال العُمر، بسبب أداء صلاةٍ معيّنةٍ في الجمعة الأخير من رمضان .
وبناء علي ذلك، أسأل : هل هذه الجمعة هي اليتيمة أم نحن الأيتام بعد أن تركنا رمضان شهر الخير والكرم والجود والقرآن والنفحات ؟
هل هي اليتيمة أم نحن الأيتام بعد أن نترك الصيام والقيام والقران ؟
هل هي اليتيمة أم نحن ، ونحن لا نضمن استمرار الأجواء الروحية بيننا ، ولا نعرف هل نداوم علي الصلاح والإصلاح ؟
هل هي اليتيمة أم نحن الذين نعود إلى الفردية في الأكل والشرب والجلوس واللمة ؟
هل هي اليتيمة أم نحن الذين سيتركنا أولادنا ويعودوا الي هواتفهم ويغلقون حجراتهم ولا نراهم إلا عند الضرورة ؟
هل هي اليتيمة أم نحن الذين فقدنا موسم الخيرات وسوق المغفرة !؟
هل هي اليتيمة أم نحن الذين سنعود إلي ماكنا عليه من الآثام والبعد عن الصلوات والزكوات والقرآن .
بل نحن الأيتام بعدك يا رمضان ، فقدنا روحانيتنا وسمو أفعالنا .ندعو الله الا يحرمنا من فيضك وجودك ورحمتك ، وان تستمر معنا روحك وأجواءك وروحانياتك حتي نلقاك فنزداد منك ونغترف من كرمك ، حتي نزيد في حسناتنا قبل يوم الحساب !؟
ولعل أجمل مافي تسمية الجمعة الأخيرة بأنها الجمعة اليتيمة ( تسمية شخصية ، وليست دينية ) أنها ربما ذكرتنا باليتامي ، وما يجب علينا تجاه إخواننا وأبناءنا ، طاعة لأمر خالقهم .
قال تعالي : " ويسالونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم " تمعنوا كلمة " وإن تخالطوهم " يأمرنا الإسلام ألا نذهب إليهم متكبرين ولا نعطيهم وأنوفنا مرفوعة ، أو نمن عليهم ، أو نختال عليهم ، بل أمرنا أن نخالطهم كما نخالط إخواننا ، وما أعظمه الإسلام حين أراد منا أن نعايش اليتامي بالسؤال عنهم دوما ، وما أجمله القران عندما جعل من علامات التوفيق في قطع الطريق الصعب إلي رضا الله إطعام اليتيم صاحب القرابة في يوم الجوع ، قال تعالي : أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيما ذا مقربة " وجعل من صفات عباد الله الأبرار أنهم " يطعمون الطعام علي حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ، وشدد القرآن في مطالبة المؤمنين برعاية أموال اليتامي وصيانتها ، فقال : " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " ، وقال تعالي : " وآتوا اليتامي أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلي أموالكم إنه كان حوبا كبيرا " أي إثما خطيرا وظلما مبينا .
وبعد أن يعطر القرآن ذكر أولئك الصالحين المصلحين الذين يزينون فضائلهم بفضيلة رعاية اليتيم ، يلتفت إلى أولئك الغافلين المهملين لليتيم ، فيقول لهم منددا ومعرضا بهم : " كلا ، بل لا تكرمون اليتيم " فأنتم من سوء تصرفكم وضلال خطتكم تنسون اليتيم وتغفلونه ، فلا تحسنون رعايته ، ولا تحققون وقايته ولا توفرون ما ينبغي له من معاني التكريم والإبعاد عن المذلة والهوان ، وكان عليكم أن تفعلوا ذلك التكريم حتي لا يشعر ذلك اليتيم بأنه إنسان وضيع بين قوم مهملين مكذبين ، يقول عنهم القرآن الكريم : ' أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم " فجعل دع اليتيم ، وهو العنف عليه والقسوة معه أولي العلامات الدالة على التكذيب بالدين . وكأنه يقول : إن من يهمل اليتيم ، فاقد النصير ، ويستهان بالضعيف عن عمد ، كأنه يكذب الدين الذي توعد من يفعل ذلك !!
فنجعل من الجمعة الأخيرة ، يوما لليتيم بدلا من أن نسميها هي اليتيمة ، نجعلها فرصة في يوم كريم ،في شهر كريم ، الصدقة والبر والعطاء فلن يعود مثله إلا في العام القابل ، ولا ندري هل نشهده ، أم نكن من الغائبين !؟
اللهم اجعلنا من الذين قبلت توبتهم وعفوت عن سيئاتهم وعتقتهم من النار ، واجعلنا ممن عرجت أسماؤهم إلى السماء حباً وبراً وصلة بين فوج الأدعية وفيض اليقين يا رب ، اللهم اجعل آخر أيام رمضان جابرة للقلوب ساترة للعيوب ماحية للذنوب مفرجة للكروب.
اللهم عد علينا رمضان العام القابل وأعوان بعده عديدة وأزمنة مديدة ، وإن قبضتنا قبله فاكتب لنا أجره كأحسن ما تقبلته من أحسن من صام رمضان منذ فرضته حتي نلقاك جميعا ، اللهم فاستجب يارب العالمين .
اللهمّ أبعدنا عن النّفاق وخصاله، وعن المحرّمات وما يقرّب منها، واجعل لنا في كلّ عمل خيراً، وأبعد عنّا البلاء والحزن والشّقاء
اللهمّ أنت الأوّل والآخر، لا تخرجنا من رمضان إلّا وأنت راضٍ عنّا، وقد غفرت لنا وأعتقتنا من النّيران
واكتب لنا يا الله الخير والسّعادة والاستقامة فيما بقي من أعمارنا، آمين.
اللهمّ قنا من فتن الدّنيا، ومن فتنة الموت وفتنة القبر وفتنة الدّجّال، وهوّن علينا سكرات الموت، ولا تتوفّانا إلّا ونحن على دينك الحقّ.
اللهمّ اجعل عملنا وصيامنا مقبولاً، ودعائنا مسموعاً، واغفر لنا ذنوبنا ، واجعل القرآن الكريم منهج حياتنا ، وربيع قلوبنا دوما يارب العالمين .
اللهمّ اختم رمضان المبارك بغفران ذنوبنا، وفرح قلوبنا، وأدخل عليها سعادة تغمرها، وتقبّل منّا طاعاتنا، واعتق من النّار رقابنا، وارحم والدينا وأبنائنا، واعف عنّا، وتجاوز عن خطايانا، يا ربّ العالمين.
اللهُمَّ إنَّ ذنوبنا تخوّفنا منك، وجودك يبشرنا عنك
فأخرجنا بالخوفِ من الخطايا وأوصلنا بجودك إلى العطايا
حتى نكون غداً في القيامة عتقاء كرمك
كما نحن في الدُّنيا رَبائب نعمتك...وكل عام وحضراتكم بموفور السعادة اللهم آمين يارب العالمين.