أخبار

رحلة صراع …مع الكيماوي

 

تقدمه ..د..

أماني موسى

: نحن لا نكتب أقدارنا، ولكن ربما نستطيع أن نصنع قصصا في حياتنا، في خضم الحياة ومعاركها قد يطرق أبوابنا زائر ثقيل لا نستطيع صده، لكننا نتكيف مع قدومه، فالحياة مليئة بالمنعطفات الجميلة أحيانا والقاسية أحيانا أخرى.

إسمى أمل ،بالصف الثانى الثانوى ، أعيش مع أسرتى المكونة من أب وأم فقط فليس لهما غيرى فى الحياة. أنا الفتاة التي تحمل معاني اسمها، أنا الأمل،الفرح ، أملك روحًا تحب الضحك و المرح ، مليئة بالحيوية والطموح،وحب الحياة ، معروفة لدى الجميع بحبى للتحديات و المغامرات ، اصابتنى الحياة بأسهم الشيب،وادركتنى بخيبة الأمل، ، فقدت نضارتى وحبى للحياة ، و قضت على إرادتى . باغتتنى الحياة بمفاجأة أبدلت أحلامى رأساً على عقب، فقد أصابنى ذلك المرض اللعين، الذي سيودي بحياتى مثلما قضى على حياة الآلاف غيرى . أما عن شعورى حين تلقيت خبر مرضى ، فكانت مفاجأة صاعقة للعائلة بأكملها ، لحظتها لم تعد قدماي تقوى على حملي، لم أتوقع يومًا أنى سأبدأ بحساب عدد أيامي المتبقية في الدنيا ولم أتخيل نفسي يومًا طريحة الفراش في انتظار الموت.اضطربت نبضات قلبى، و تصارعت أنفاسى في الخروج بشكل عشوائي، “إذ إن السرطان معناه بالمفهوم اللاوعي الضيق، معاناة حتى الموت” مخيف للجميع كأنه ملك موت مجسد بصفة علة أو باب أسود لا يوجد وراءه سوى ظلام دامس لا يمكن تجاوزه فمجرد التلفظ باسمه كافية لتقشعر جلود الجميع لأنه بالنسبة لأغلب الناس مرض السرطان هو رمز لنهاية الحياة هو نقطة وصول آخر محطة في تاريخ الإنسان هو قطع حبل الأمل وتدمير للمستقبل ولكن أنا قوية بأمر الله ولم تنقص من عزيمتى شيئا ، بل اعتالتنى طاقة من الحماسة لخوض ذلك التحدي الجديد الذي رُسِمَ بحياتى . أتخذت بعض الوقت لأكون في النهاية على دأبى ، تلك أمل التي لا تعترف بالهزيمة ولا تخضع للصعاب .أتخذت قرار خوضى لتلك الحرب الضارية مع ذلك الوحش الكاسر مثلما أسميته أنا ، و عزمت على هزيمته .

اتخذت من غرفتي في المشفى حصن استعد من خلاله لحربي القادمة، لم أكن وحيدة في تلك الغرفة، بل يوجد فتيات تتشابه معي في السن، منهن الأقوياء ومنهن البائسات . بدأت حديثى معهن عن المعركة التى سنواجهها بإبتسامة مليئة بالحماس ” اقصد المرض الذى سنواجهه هنا، و نهزمه” .اكتفى بعضهن برسم بسمة ساخرة وظل الصمت هو لغة هؤلاء الفتيات البائسات ، فقمتُ بمحاولة أخرى ،

أكملت حديثى : أنا عازمة على ردع الوحش من النيل مني، بل سأنال أنا منه، و سأجلس أتلذذ، و أنا أراه يلفظ آخر أنفاسه في جسدي ويرحل مرغماً بإرادتي .ولكننى لم أتلق أي إجابة ، لم استمع لصوت سوى الصمت المتجول في جميع انحاء الغرفة.

وبعد مرور عدة أيام من الفحوصات الطبية ،بدأت مراحل العلاج الكيماوي، و التي شعرت فيها بمعاناة من هم مثلى، أصابنى الضعف لقوة العلاج، تساقطت خصيلات شعرى ، أصبح وجهى شاحبا، وسقط حاجباى العاليان المقوّسان، وبهت جمال عيني بنظراتهما الذابلة الهادئة،أدركت حينها مدي قوة الحرب الناشئة بينى و بين المرض، بل أدركت أيضا أن الأمر لم يعد يختص فقط بحربى مع المرض، بل حرب مع إرادتى التى بدأت في الإستنزاف، و الأهم من ذلك و ذاك هو حربى مع نفسى و هى الأشد خطرًا مما سبقوا .

توالت الأيام وأنا أحاول جاهدة أن ابقى أمل، أو بالأجدر ابقى على قيد الأمل، فجرعة الكيماوي قد تملكت منى، أصبحت مناعتى ضعيفة ، بدأت افقد الشعور بالجوع الذى ساقنى لتناول القليل من الطعام مما تسبب في فقدان الكثير من وزنى.

اتذكر أنه عند تلقي أول جرعة كيماوي ، أغمضت عينى، و ظللت أحدِث نفسى قائلة ( أنا أقوى من المرض، أنا قادرة أموت الوحش، أنا حتغلب على مرضى ، أنا مش ضعيفة ) تلك الكلمات التي احاول بها رفع معنوياتى، و الإستمرار في حربى المميتة،

أثناء ترديدى لتلك الكلمات في صمت . أطلق على أذني صوت ! استغربت الأمر في البداية، ولكنني انتبهت و تذكرت سريعًا بوجود فتاة أخرى معى، نظرت تجاهها فوجدتها مازالت تنظر للفراغ قائلة “تعرفي ليه السرطان اتسمى بالأسم ده ياأمل “.

هززتُ رأسي بالنفي و أنا أنظر لها منصته، فأكملت قائلة بسخرية في نظراتها “لوجود الشبه الكبير بينه وبين حيوان اسمه السرطان ينقض على فريسته في أي مكان في جسمها، و بعد ذلك يمد أطرافه المتعددة في كل الأتجاهات، فلا يوجد لدينا طريقة للهرب !!!

صار الصمت لبرهة قبل أن تتحدث الفتاة بنبرة حزينة و هى مطأطأة الرأس “أول يوم جئت فيه هنا كنت مثل أول يوم لك ، جلست اتحدث مع نفسي أنا أقوى من المرض، أنا سأهزمه ، و بعد أيام بدأت أضعف يوم عن يوم، و شعري يتساقط ،

وعندما سمعت حديثك عن المعركة والحماس تذكرت نفسى والتزمت الصمت فأنا لا أريد أن يصيبك الإحباط ولا أريد اخبارك أن هذه المعركة نتائجها محسومة من قبل أن تبدأ، سوف نخسرها

هنا .فى تلك اللحظة ،كانت هناك فتاة تمر بالمستشفى مع الممرضة الخاصة بها ،تمسك بسلسلة طويلة من الخرز الصغير، سألت أمل الفتاة الصغيرة بإهتمام عن سر هذه السلسلة الممسكة بها الفتاة، فأجابتها الممرضة بأن هذه الفتاة تقوم بوضع خرزة بعد كل جلسة علاج تتلقاها، فى تلك اللحظة زاد خوفى وقلقى وانتابنى ألما شديدا فى يسار صدرى وكأن الدنيا اسودت فى وجهى .

وبعد سنة ونصف السنة من دخولى المشفى،

تمكنت رغم مرضى من النجاح في دراستى وحصلت على شهادة الثانوية، وقاومت الألم بشجاعة ولم استسلم يوما، استمريت في العلاج بصبر وجهد وكنت أقاوم وأقاوم ، وبدأت في الانتصار وبدأ يتراجع المرض بفضل الله وبدأت التحاليل تظهر نتيجة إيجابية بعد مرحلة العلاج الكيماوي ، وبعدها بدأت مرحلة العلاج المناعي وبدأ الخير يظهر ، والأمل يتحقق ، وتدب الحياة والقوة مرة أخرى في جسدي المتعب الذى أنهكه العلاج ، نعم أنهكه لكنه لم ينتصر عليه ، وبدأ التفاؤل .في هذا الوقت قررت وضع نقطة نهاية لهذا السطر من حياتي ، وأبدأ من جديد سطر وصفحة أخرى مشرقة ، خرجت من تلك التجربة إنسانة ولدت من جديد بعد الشفاء ، وتجددت نظرتي للحياة، فأصبح للوقت والأيام قيمة أكبر ،وأن الثقة في الله مع العزيمة والإرادة والرغبة في الحياة هي السبيل الى الشفاء ، وألا نفكر بالموت طالما نحن على قيد الحياة .

 

كنت أقاوم المرض و الأمل يصبح خيارا لا بد منه، فعندما يتسلح به المريض فإنه يجعل من قدرته على مواجهة المرض والتغلب عليه أسهل بكثير، وهذا ما عيشته وما أنصح به غيرى من المرضى الذين لا يزالون في مرحلة العلاج.

مرضى السرطان ينضجون خلال مرحلة مواجهتهم للمرض فكريا، لأنهم لا يجدون أمامهم سوى التعامل بالحكمة والصبر للتغلب على السرطان، ويرون أن الأشياء كلها تتضاءل أمام الهدف الأساسي الذي يسعون إليه وهو التعافي، ومع الأمل وقوة الإيمان والثقة بالله، يختفي اليأس.

رويت لكم حكايتي مع السرطان الذي منحني فرصة جديدة للحياة بعد تجربة مريرة بكل ما فيها من صعاب، لعل حكايتي تكون نقطة تحول لمريض فقد القوة والإرادة وأنهكه المرض والعلاج، وأكون سبباً في إعطاءه الأمل في الشفاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق