أقلام حرّةالمميزة

خيري حسن يكتب عن : صبري موسي .. في ذكراه الأولي

صبري موسى.. و..موسى صبري .. من "فساد الأمكنة"..إلى.."فساد الموهبة".. تمر الحياة.. ويبقي الوجع!

 

الكاتبان الكبيران.. صبري موسي وموسي صبري

فى ذكراه الأولى:
***
كنت طفلا صغيراً ألهو وألعب في شوارع قريتنا، وأحب الشعر والكتابة والصحافة، وكانت قريتنا الصغيرة “كفر أبوشهبة” التي تقع في محافظة بني سويف في ذلك الوقت، لا تدخلها الصحف ـ بسبب الفقر والجهل معاً ـ إلا صحيفة الأهرام (العدد الأسبوعي) يوم الجمعة، وصحيفة أخبار اليوم (العدد الأسبوعي) يوم السبت. كان عمدة قريتناـ أحمد حبيب – رحمه الله هو فقط الذي يشتريهما أسبوعياً ويجلس على مدخل القرية، على (مصطبة) رجل فقير كان يحبه، ويبدأ في القراءة. وكنت أحفظ مواعيده وأمر عليه ذهاباً وإياباً، وأقترب منه، وأحياناً أجلس بالقرب منه ـ فقد كان رجلاً طيباً وفاضلاً ـ حتى اختلس النظر إلى الصحيفة التي في يده. فكان يبتسم وهو ينظر لي في دهشة- ربما لصغر سني في ذلك الوقت- ويواصل القراءة. ومن خلال ذلك اللقاء الأسبوعي كنت قد تعرفت على أسماء بعض الصحفيين الكبار وكان منهم اسم الكاتب الصحفي الراحل موسى صبري (1925ـ 1992) الذي رأس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم وتحرير الأخبار حتى نهاية عام 1983.

وظل اسمه في ذهني، وعندما كبرت تابعت كتاباته الصحفية والأدبية أحياناً، وكان يعجبني أسلوبه وكتاباته وموهبته التي لا خلاف عليها. ومرت السنون حتى جاء يوم كنت أسير فيه بجوار بائع كتب قديمة يجلس بجوار سور جامعة القاهرة، ووقعت عيني على غلاف رواية عنوانها (فساد الأمكنة) وتحت العنوان اسم المؤلف (صبري موسى). فأصابتني دهشة شديدة وحيرة وغضب، وسألت نفسي.. كيف تخطئ دار النشر فتحول اسم المؤلف من (موسى صبري) إلى (صبري موسى) (1932 ـ 2018) فلما زادت حيرتي سألت البائع نفسه وكان عجوزاً، يرتدى نظارة سميكة وظهره انحنى من فعل الزمن ومن قسوة حمل الكتب وطرحها وجمعها على الأرض كل يوم.

رفع نظارته قليلاً وابتسم ابتسامة الفيلسوف وقال: يا ابني دار النشر لم تخطئ في كتابة الاسم، نعم هناك كاتب صحفي اسمه موسى صبري، وفي نفس الوقت هناك أديب وروائي رائع اسمه (صبري موسى) وهذه رائعة من روائعه الإبداعية. وأنصحك أن تقرأ له، فهو كاتب متميز ومرهف المشاعر، وأعماله بالغة العمق، تتمتع بحس اجتماعي وسياسي، من خلال لغة جميلة ورشيقة، وهو الذى كتب السيناريو لأفلام (البوسطجى) و(الشيماء) و(قنديل أم هاشم) و(وأين تخبئون الشمس) و(قاهر الظلام) وغيرها من الأعمال. أما في الأدب، فلقد قدم للمكتبة العربية مجموعات قصصية مثل (وجها لظهر) و(مشروع قتل جارة) و(حادث النصف متر) و(رحلة داخل امرأة) و(في الصحراء)، ثم سكت قليلاً وهو يلاحظ من تحت نظارته دهشتي من ثقافته الواسعة، ثم قال: لقد ذهب هذا الأديب في عام 1966 إلى الصحراء واخترق صحراء الوادي والواحات ومن قبلهما الصحراء الشرقية قرب حدودنا مع السودان، يومها أخذ منحة تفرغ من وزارة الثقافة من أجل هذا العمل البديع الذي في يدك والذي يعد من أهم الروايات العربية. قلت له وهل هو على قيد الحياة؟ رد: نعم.. ربنا يعطيه الصحة والعافية.. هو حي يرزق، لكنك أنت ـ ومن في جيلك ـ لن تعرفوه، لأننا في زمن كاذب، مخادع، مضلل، ويطفو فيه على السطح ضعاف الموهبة، وخدام السلطة، والمنافقون والأفاكون، ليسيطروا على المنابر الثقافية والصحفية، حتى يتحول الإبداع على أيديهم إلى جريمة، والجمال إلى قبح، والقلم إلى خنجر والفرشاة إلى سكين، والحلم إلى كابوس، وما أكثر هؤلاء في هذا الزمان.

ثم سكت قليلاً وولى بوجهه عنى وهو يرد على أحد الأشخاص الذى كان يسأله عن كتاب لا أذكر اسمه الآن، ثم التفت إليّ فوجدني ما زلت واقفاً في مكاني وفي يدى رواية (فساد الأمكنة)، فواصل كلامه قائلاً: وبسبب ذلك القبح الذى نحن فيه، يصبح من الطبيعي أن يغيب ويبتعد عن الساحة من هم في عبقرية وإبداع وسمو أخلاق ورهافة أحاسيس أديبنا صبري موسى، الذى في يدك الآن روايته. ومرت الأيام وشاء القدر أن أزامل في العمل زوجته الصحفية أنس الوجود رضوان.. ومن خلالها كنت أتواصل مع أديبنا صبري موسى الذي أصابه المرض لما يقرب من 15 عاماً، ظل خلالها ملازماً لبيته، يعيش مع الأدب والقراءة والثقافة في هدوء وتركيز يليق بتركيبته الإنسانية المتصالحة مع ذاتها. وكانت هي ـ كزوجة ـ بجواره تساعده وتسانده أمام قسوة المرض، وكنت كلما رأيتها أقول لها، إنني في شوق إلى زيارته، وكثيرا ما اتفقنا على هذا اللقاء، غير أن عجلة المشاغل اليومية منعتني من ذلك، وهذا من سوء حظي. ومنذ عدة أسابيع قبل، وعكته الصحية الأخيرة التي ودعنا بعدها، كانت هي بجواره في بيته، فطلبت منها ـ عبر الهاتف ـ أن أسمع صوته، وبالفعل فعلت ذلك وجاءني صوته هامساً، واهناً، وضعيفاً، والحروف تخرج من فمه متقطعة وبطيئة خاصة وهو يتمتم بكلمات شعرت منها بسعادته ورضاه عن مشواره في الحياة، ثم أعطى الهاتف لزوجته وهو يضحك بصوت مسموع.

أغلقت الهاتف بعدها وجلست مكاني، مسنداً ظهري إلى الحائط، أتذكر الحوار الذي دار بيني وبين بائع الكتب العجوز عنه قبل سنوات، وكيف كان الرجل يعشق أدبه وإبداعه، بل إنه يومها توقع أن يرحل هذا الأديب المتميز، دون أن يأخذ حقه الأدبي. يومها سألته لماذا؟ قال: لأنه مثل فتحي غانم ويوسف السباعي وقعوا بين مطرقة يوسف إدريس وسندان نجيب محفوظ، وأمام عبقريتهما في القصة القصيرة والرواية سقطت أسماء كثيرة، وتوارت وابتعدت أسماء أخرى، على الأقل، من صدارة المشهد. ثم توقف العجوز قليلاً عن كلامه معي وأخرج من جيب بالطو أسود قديم كان يرتديه علبة سجائره وأشعل منها سيجارة ونظر لي قائلاَ: أما على المستوى الصحفي، فالمؤكد أن صبري موسى ـ وكان يعمل صحفياً في مؤسسة روز اليوسف منذ عام 1955- لن يستطيع أن يصل إلى شهرة ونجومية موسى صبري ـ كان يعمل صحفياً في مؤسسة أخبار اليوم منذ عام 1950ـ ووصوله إلى ما وصل إليه مهنياً! قلت: لماذا؟ قال: لأن موسى صبري كان رجل سلطة، يخدم في بلاطها، ويقف على أبوابها، ولك أن تعرف أنه نام في حضن السلطة ثلاثة عقود متتالية، وبلغ قربه وصداقته للرئيس السادات أنه كتب عنه في الأخبار ما يقرب من ألف مقال منذ عام 1970، وكتب له خطابه الذي ألقاه في القدس عندما زار إسرائيل في رحلة معاهدة السلام التي عرفت باسم كامب ديفيد. وليس هذا فقط بل، إنه ـ وهو القبطي ـ ساند بكتاباته الرئيس السادات ضد البابا شنودة، في الخلاف الذي جرى بينهما قبل نهاية حكم السادات، عندما حدد إقامة البابا وحبس 8 أساقفة و24 من الكهنة. يومها كتب موسى صبري في شهر سبتمبر 1981 في الأخبار مقالاً صادماً عنوانه (أخطر من قرار أكتوبر). ورد البابا شنودة عليه قائلا: (موسى صبري رجل السادات قبل أن يكون ابن الكنيسة)، وبعد وفاته رفض البابا أن يصلى عليه. قلت له: والمؤكد أن هذه المؤهلات، والصفات، كانت لا تتوفر في شخصية (صبري موسى) ضحك وهو يطفئ ما تبقى من سيجارته التي بين اصبعيه وقال: طبعاً. ثم نظر إلى الشارع الذي كانت حركة المرور فيه قد تعطلت بسبب سيدة مسنة، سقطت تحت عجلات سيارة طائشة، وقال: الفرق هنا واضح وشاسع بين مبدع يدعم السلطة ونظامها وبين مبدع آخر يبتعد عنها، رغم انه يدعم الدولة ويزيد من وعيها، وقوتها الناعمة. ابتسمت وقلت له بدهشة واضحة على ملامحي: من أين جئت بكل هذه المعلومات؟ ضحك ضحكة واهنة وقال: يا ابني.. الذي يقف أمامك الآن، درس اللغة العربية في كلية الآداب منذ سنوات طويلة، وكتبت القصة القصيرة والشعر، وقرأت عشرات الكتب. أما لماذا أقف هنا الآن؟ فهذه قصة ليس الآن وقتها، .

يومها تركته وترجلت للناحية الأخرى من الشارع وأنا أراه بصعوبة، يلملم كتبه ويضعها في صندوق خشبي قديم، ويحملها على ظهره ويغيب عنى في زحام الشارع الذي استقبل فى نفس اللحظة صوت سيارة الإسعاف التى جاءت، لإنقاذ المرأة العجوز؛غير أنها كانت قد فارقت الحياة!

رحل فى 18 يناير 2018

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

كتابة تعليق

إغلاق