ثقافة وقراءة

مقام الشيخ عبد البصير

 

 

قصة: حاتم السروي

 

 

مِئَة عام من الشاي والقهوة والتُنباك.. قرنٌ كامل جمع أُلُوفًا من البشر في مكانٍ واحد.. كل قاصدٍ لوسط البلد يعرف هذ المكان الذي تفوح منه رائح البُن والتبغ ويرتاده المثقفون وغيرهم، ذلك المقهى الأنيق الذي توارثه أبناء عائلة جيلًا بعد جيل حتى باعه الوارث الجديد وذهب المقهى إلى حيث يذهب كل شيء. من العدم أتى وفي العدم تبخَّر. صار ذكرى ما يلبث النسيان أن يلُفَّها هي الأخرى.

لست أدري لماذا يحزن رواد المقهى؟.. قالها العجوز مستغربًا ونظر إلى ولَدِهِ السِتِّينِيْ.

ثم أكمل حديثه: – إذا كانوا يريدون مقهى فما أكثر المقاهي حولهم، وإذا كانوا يرون فيه أثرًا فليس بأثرٍ وهم يعلمون؛ لقد جدَّدَهُ أصحابُهُ مِرَارًا حتى تغير شكله ولم يعد له من الماضي إلا بقايا؛ اسمه وتاريخ تأسيسه ولوحة خَطِّيَّة محفوظة في إطار خشبي، عدا ذلك لم يعد للماضي مكان..

نظر الولد السِتِّينيّ إلى والدِه مُنْدَهِشًا ثم قال: يا حاج هذا ليس مجرد مقهى؛ إنه شاهد على تاريخ البلد، كان يرتاده أصحاب الطرابيش والعمائم، ثم أصبح مأوى موظفي القطاع العام والعُمَّال والمثقفين، وما كان أيسر على أي كاتب يريد معرفة أحوال الناس وما جَدَّ عليهم من الجلوس في المقهى مع إرخاء السمع وإطلاق البصر، هذا المقهى كتاب التاريخ ودفتر الأحوال.

ضحك العجوز مُغْمِضًا عينيه فاتسع فَمُهُ الخالي من الأسنان واهتز جسدُهُ الخَشَبِيُّ الممصوص.. خاف ابنه عليه، فصاح فيه العجوز: لا تَخَفْ، لن أموت من هذا الهُرَاء.. يا بُنَيَّ افهم ودَعكَ من الشعارات الرنَّانة؛ إن الجهل بالتاريخ مرضٌ لا يعالجه الإبقاء على مقهى يبيع الشاي والدخان، هل يعي رواد المقهى أنني – وغيري كُثُر- لم نكمل تعليمنا لحاجتنا إلى العمل، ومع هذا تعلمنا أفضل منهم وقرأنا أكثر منهم، وفوق ذلك لم نحقد ولم نحسد، ترَفَّعنَا عن السَفاسِف وعشنا مَرفُوعِي الرأس، يا ولدي غاية كل كائن إلَّا يكون، وكل متحرك إلى سكون، والمقهى لم يكن ليبقى مدى الدهر. هل تعرف متى وُلِدتّ؟

طبعًا يا حاج، منذ مِئَةِ عام.

وُلِدتُّ قل هذا المقهى بستة أشهر، وقضيت من عمري أربعين سنة في الفقر والجوع، كان حظي أبشع من قمامة القاهرة، ولم يلتفت إِلَيَّ أحدٌ من أولئك (الأُدَبَاتِيَّة) الذين يتباكون اليوم على أطلال المقهى القديم. أيهما أولى: الحيطان أم الإنسان؟؟ أيهما يعي الماضي ويعرف التاريخ: ذاكرتي أم الكراسي؟؟ إذا كان الوارث قد باع المقهى فأنا لم أَبِع نفسي لمخلوق، وقلت وما زلت أقول إننا نحن السبب، نحن السبب..

نظر الولد السِتِّينِيُّ ضَجِرًا إلى أبيهِ المُعَمِّر، وأدرك على الفور أنَّ نَوْبَةً من الفلسفة سَتَعتَرِيهِ فآثَرَ أن يتركه بهدوء قبل أن يُصَدِّعَهُ بالحديث عن أمراض المجتمع.

طيب يا حاج، أستأذنك الآن حتى أزور حفيدتك فهيمة..

قل لها: إذا أغضَبْتِ زوجَك فسيغضب عليك جدك عبد البصير إلى يوم الدين.

مَدَّ الحاج عبد البصير يَدَهُ إلى دُرجِ مكتبه العتيق في دُكَّانِهِ شِبْه الأَثَرِي الذي أوصى بأن يُبَاع بعد موته، وأخرج منه جهازًا صغيرًا للتسجيل، تأمَّلَهُ من الخلف والأمام، وضغط على أزرَارِه فوجدها تعمل. مد يده مرةً أُخرَى وأخرج شريطًا، وبعد أن وضع الشريط في جهاز التسجيل ضغط على الزِرِّ وبدأَ يُمْلِي رسالَتَهُ إلى ابنه وأحفاده وجيرانه وكل سكان المنطقة الشعبية التي عاش فيها نصف قرن من الزمان..

وحين جَنَّ الليل، وتَوَسَّطَ البدرُ بَراحَ السماء، وحوله النجوم مثل عقد اللآلِئ، شعر عبد البصير أنها الليلة الموعودة؛ لا بل أيقن أنه لن يدرك الصباح؛ فانتظر ولده الستيني بفارغ الصبر، ولما عاد رفع إليه سَبَّابَتَهُ وملامِحُهُ تَشِي بأن الخَطْبَ جَلَل، وأمره بالجلوس ثم قال: حَدَّثَنِي قلبي حديثًا لَسْتُ أَكْذِبُهُ، الليلة تخرج الروح إلى بارِيها ويَسْتَرِدُّ المُودِعُ أمَانَتَه، الليلة يطير العصفور من قَفَصِه وتنتهي الآلامُ والآمال. يا ولد خُذ مني هذا الشريط وَضَعْهُ في المُسَجِّل ثم اتركهما بجوار جثتي في التابوت، وقبل أن تُصَلُّوا عَلَيَّ اضغط على زِر التشغيل ليخرج صوتي إلى الناس، كل من حضر، كل من عرفني وعرفته، زارني وزُرتُه، أحبَّنِي وأَحبَبْتُه، حتى كل من قالوا عني: “عجوزٌ خَرِف راح زمنُه وانتهى أمرُه”.. لا تخبرهم أن صوتي يخرج من الشريط، دعهم يظنون أنني أتحدث بعد موتي، وحين يشيع في الناس أن الميت قد تكلم أخبرهم بحِيلَتِي دُونَ مُوَارَبَة، قل لهم بصراحة إن والدي أراد أن يجلدكم مِئَةَ جلدة بِعَدَدِ سِنِيِّ عُمرِه، وأعجبه أن يُلقِي في قلوبِكُمُ الرُّعبَ عَلَّكُم تَسْتَفِيقُون.

ومات عبد البصير…

ظَلَّ الولد الستيني مع أبناءِه الثلاثة يُغَسِّلُونَ الميت ويَلُفُّونَه بالكَفَنِ الأبيض، وحين انطلقت أصوات المؤذنين بنداء الفجر حمل الابن والأحفاد مَيِّتَهُم الذي اشتكى مِنْهُ في حَيَاتِهِ طُوب الأرض، ورماه الكثيرون بالجنون، وزعم بعضُهم أنه كان يصاحب الجن وَلَهُ قَرِين يُلْقِي إليه بالأسرار، وأنه حين كان يقرأ بصوتٍ عالٍ إِنَّمَا كان يُعَزِّمُ ويُحَضِّرُ الأرواح، والحق أنه كان يحب الشعر الفصيح ويعجبه مُطران خليل مُطران وإبراهيم ناجي؛ فكان يقرأ بصوتٍ عالٍ لِطَرَبِهِ بالأبيات ورغبته في حفظها؛ ولأن أهل المنطقة لم يكونوا يفهمون الشعر ظَنُّوهُ يُحَضِّرُ العفارِيت!

أعلن مؤذن المسجد المجاور لمنزل الحاج عبد البصير وفاته في الميكروفون، وأكد على أن صلاة الجنازة سوف تُقَام فَوْرَ الانتهاء من فريضة الفجر حسب وصية المرحوم الذي طلب أن تُعَجِّلَ أُسْرَتُهُ بالصلاة عليه ودفنه..

لم يكن في المسجد أكثر من عشرة أنفار؛ منهم ابن الحاج عبد البصير وأبناؤه الثلاثة مع مؤذن المسجد والإمام! وبعد الانتهاء من صلاة الفجر طلب الولد الستيني من إمام المسجد أن يُعطِي الميكروفون لِوَالِدِهِ المُتَوَفَّى حتى يتحدث بما يريد!

ظنَّ الإمامُ أن الرجل أصابَهُ مَسٌّ من الجِن الذي قيل إن والده كان يُحَضِّرُهُ كُلَّ ليلة! أو رُبَّما سَرَت فيهِ لَوْثّةُ الفلسفة وعلم النفس الذي كان أبوه يقرأُ فيهِ ويتَحَدَّثُ عنه.

أدرك الستيني أن الإمام يظن فيه الجنون فقال: ألا تُصَدِّق يا عم الشيخ أن والدي يمكنه الحديث بعد موته؟ جَرِّب إذا أردت..

حاول الإمام أن يبلع رِيقَه، وارتسمت عليه معالم الدهشة، ثم أدرك أنه لا فائدة من الرد العاقل على رجل ورث الجنون من أبيه كما يقول أهل المنطقة، واضطر الإمام في النهاية إلى مُسَايَرَةِ الرجل دون رد حتى لا يَتَهَوِّر عليه في المسجد.

قال الإمام: تفضل الميكروفون. أَرِنِي كيفَ سيتحدث أبوك؟

فتح الستيني التابوت برفق وهزَّ جثة أبيه المتوفى كأنه يُوقِظُه ثم ضغط على زر تشغيل المسجل، وكما هو المتفق عليه قال بصوتٍ عالِ: يا حاج، كنت تريد التحدُّث إلى جيرانك في المنطقة، تفضل.

وما كانت إلا ثَوانٍ معدودات حتى خرج صوت عبد البصير وَقُورًا مًمْتَلِئًا:

يا أهل المنطقة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا حديثي إليكم وَوَصِيَّتِي قبلَ أن أَعُودَ إلى رَحِمِ أُمِّي الأرض، منها خُلِقْنَا وإليها نَعُود. أريد أن تعرفوا أنني لم أكن مجنونًا طرفة عين، ولا رأيتُ عِفريتًا في حياتِي؛ فكل ما قيل عني أوهام شاعت بينكم، ولَسْتُ مسئُولًا عن بشاعة الجهل الذي جعلكم تَرَوْنَ كُتُبَ الأدب كُتُبًا للطَّلاسِم والتَّعَاوِيذ، وقصائد الشعر تحضيرًا للأرواح، ولا أَعِيبُ عَلَيْكُم هَذِهِ الجهالة المُفْرِطَة لِأَنِّي أُدرِكُ حجم الفقر والمرض، وأعرف أنه إذا جاعت البطون ذهبت العقول؛ ولكني مع ذلك أقول إنكم جزء من السبب، تعرفون لماذا؟؟…………….

وراح عبد البصير يُعَدِّدُ مَسَاوِئَ سكان الحي ويفضحهم فردًا فردًا، ولا ينجو من سِيَاطِه المُلْهِبَة رجلٌ ولا امرأة. كان يعرف الجميع حتى المراهقين الذين وُلِدُوا بعده بثمانية عقود وأكثر. لم يرحم إلا الأطفال والقطط!

صَحا أهلُ المنطقة على صوت عبد البصير وهو يفضح اللصوص والخَوَنة والحشاشين والتجار وبائعات الهَوَى … وظنَّ بعضُهم أن الرجل هو الذي يتكلم فهُرِعُوا إلى المسجد وهناك ألجَمَهُم الرعب..ميت يتحدث بالصواعق ويقذفهم بأقسى العبارات.

واستطار الخبر من المنطقة إلى عموم القاهرة الكبرى، وتحدث كثيرون في طنطا والزقازيق وشبين الكُوم وسُوهاج عن الميت الذي تحدث بعد موته. كثيرون لم يُصَدِّقُوا الخبر. وبعد لَغَطٍ كبير والناسُ بين مُصَدِّقٍ ومُكَذِّب صدرت فتوى رسمية فَحوَاها أن الميت لا يمكنه التحدُّث للأحياء جميعًا، وأن عامة الناس لا يسمعون الموتى إلا في المنام، وما حدث لابد أنه حيلة ستنكشف.

وأخيرًا خرج السِتِّينِيُّ في قناة فضائية ليخبر الناس بالحقيقة. وصار الولد والوالد موضع غضب الجميع بلا استثناء. الكل يدعو على الميت ذي اللسان السليط الذي فضح الجهلة مرتين؛ مرة وهو يُظْهِرُ مَخازِيهِم، وأُخْرَى حين صدَّقُوا أن الميت يمكنه الحديث على الملأ.

وأراد أحدهم أن يذهب إلى قبر الحاج عبد البصير لِيَلْعَنَهُ ويبصق عليه ويَركُلَهُ بِقَدَمَيْهِ كما قال..

ولأن عبد البصير رجل المفاجآت؛ فقد عَقَرَ كلبٌ ضالٌّ هذا الرجل الذي تَوَعَّدَ الميت قبل أن يصل إلى القبر. وشاع بعدها في الناس أن عبد البصير من أولياء الله الصالحين؛ فقرَّرَ أهلُ المنطقة الذين فضحهم أن يجمعوا التَّبَرُّعَات لبناء مقام للحاج الذي قالوا إن الكلب دافع عنه وهو ميت.

وبُنِيَ المقام بالفعل بالجهود الأهلية لسكان المنطقة. وحين نظر السِّتِّينِيُّ من نافذة بيته ذات صباح وجد أهل المنطقة يُنَظِّفُون الشارع العمومي والحارات المُتَفَرِّعَة، ويقولون: لابُدَّ أن نُطَهِّرَ المنطقة من القمامة حتى لا يغضب مِنَّا الشيخ عبد البصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق