المميزةتحقيقات وتقارير

مؤرخ تراث اقدم مدينة بالبحرالاحمر يحكى عن .. عادات أهالي «القصير» المتوارثة احتفالا بليلة النصف من شعبان ومسيرة «المحامل»

أحد مؤرخي المدينة: الاحتفال بمسيرات المحامل من الأعياد الرئيسية في المدينة

 

محى العبادى البحرالاحمر

ينتظر أهالي مدينة «القصير» جنوب البحر الاحمر ليلة النصف من شعبان سنويا لتنظيم احتفالية مسيرة المحامل الموضوعة على ظهور الجمال التي أطلقوا عليها تسمية «عيد النص» ويقصدون بها الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وأنهي المنظمون للاحتفالية استعدادتهم لهذة المناسبة التي يشارك فيها أهالي القصير من مختلف الأعمار.
وأكد صفي تمير، أحد مؤرخي تراث مدينة، أن احتفالية المحامل جزء من التراث التاريخي لمدينة القصير

وتتوارثها الأجيال منذ العهد الإسلامي وتنطلق مسيرة المحامل من أمام مقام الشيخ عبدالغفار بشارع الجمهورية، ويضم المحمل توابيت خشبية مكسوة بقماش «الستان» ذات ألوان زاهية محملة على عدد من الجمال يتقدمها المزمار ويسير خلفها جمع غفيرمن أهالى القصير .
واعتاد أهل القصير على تسمية منتصف شعبان بـ«عيد النص» وهو عيد كانت بدايته وجماهيريته الأولى وانطلاقه كانت من قبيلة العبابدة وأطفالهم، ويرد أهل القصير التحية لمسيرة المحامل في أعداد تتضاعف شيئًا فشيئًا بالانتظار في عودة المحمل.
وجرى العرف أن العبابدة يسلمون المحمل كأمانة ويتابعون المسيرة مع من ينتظرهم حتى العودة مع آذان مغرب اليوم المبارك لنقطة البداية عند مقام الشيخ عبدالغفار اليمنى وقديمًا كانوا يسمون الأطفال الذي يشاركون في المسيرة بعفاريت المحمل وتشهد الاحتفالية تجمعات هائلة من أهل القصير.
وأوضح تمير أن مسيرات «المحامل والهوادج» عادت لمدينة القصير جنوب البحر الاحمر بعد عامين من التوقف بسبب انتشار فيروس كورونا حيث تمتد هذه الاحتفالات من مئات السنين ولم تتوقف مسيرات «المحامل والهوادج» الموضوعة على أسنمة «الجمال» التي يحييها اهالي مدينة القصير بالبحر الاحمر إلا عامين ضمن الاجراءات الاحترازية لمواجهة انتشار فيروس كورونا.
وأضاف تمير أنه منذ العصر الإسلامي مازال الآلاف من أهالي مدينة القصير جنوب البحر الأحمر يحافظون على إحياء الاحتفالات الدينية بطريقتهم الخاصة التي مازالوا يحيونها في المناسبات الدينية الكبري، حيث يختلف الاحتفال بهذه المناسبة بمدينة القصير عن باقي الاحتفالات التي تتم بمدن البحر الأحمر وباقي محافظات مصر.
أهم العادات التراثية
ويحافظ أهالي المدينة على أحد أهم العادات التراثية الدينية الخاصة بالمدينة التي تتمثل في مسيرات المحامل والهوادج الموضوعة على ظهور عدد من أسنمة «الجمال» وتطوف هذه المحامل مختلف أحياء المدينة والعشرات من مواقع الأضرحة لأولياء الله الصالحين المدفونين بالمدينة في احتفال يرجع بدايته إلى العصر الاسلامي، حيث يواصل أهالي المدينة للوقت الحالي احتفاظهم وتوارثهم لظاهرة تجهيز الهوادج، ويسير الاهالي من كل الفئات خلف الجمال مع اصوات المزمار البلدي خلال الاحتفالات.
وأكد عدد من اهالي القصير أن هذه الفعاليات الممتدة منذ العصر الإسلامي حيث تطوف «الجمال» التي تحمل الهوادج والمحامل شوارع المدينة ومختلف الأضرحة وأن الاحتفال يتم التجهيز له بعدد من «المحامل» التي توضع على سنام الجمال على الهوادج الخشبية وتجوب مدينة القصير لتحافظ على عادات وتقاليد يتوارثها اهالي القصير، وتنطلق هذه المحامل من منطقة (العوينة) التي تشتهر بوجود العشرات من الأضرحة لعدد من المشايخ وأولياء الله الصالحين حيث يتم تجهيز الهوادج واختيار الجمال قبلها بعدة أيام وتنتظر السيدات والأطفال أمام المنازل لمشاهدة لحظة مرور المحامل أمام المنازل والانضمام للمسيرات.
وتجذب هذه المحامل سكان المدينة من مختلف الأعمار من الاطفال والشباب والسيدات وترافقها فرق الفنون الشعبية والمزمار البلد والرقص الصعيدي بالتحطيب مع موكب من عدد من الجمال ويستمر موكب المحامل في السير حتي منتصف الليل ويسير أحد الجمال محمولا عليه الهودج، ويطلق عليه اهالي القصير «المحمل».
مسيرات المحامل
الدكتور طه الجوهري، أحد مؤرخي مدينة القصير، أكد أن الاحتفال بمسيرات المحامل من الاعياد الرئيسية في مدينة القصير ويطلق عليه عيد (المحامل) وهو يوافق يوم النصف من شعبان، يوم تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وما جعل ذلك اليوم ذو اهمية كبري بين أبناء مدينة القصير هو وصول المحمل الذي يحمل كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تقليدا متبعا بين سلاطين المماليك في مصر في كل عام.
ويؤكد المؤرخون أن بداية فكرة المحمل الذي ينتقل فيه الكسوة إلى أرض الحجاز أول مرة كان في عهد شجرة الدر، حيث خرج أول محمل في عهد المماليك، والمحمل نفسه هو عبارة عن هودج فارغ يقال إنه كان هودج شجرة الدر. أما الكسوة فكانت توضع في صناديق مغلقة وتحملها الجمال، ثم يتجه نحو أرض الحجاز، إلا أن الاحتفال بشكله المميز كان في عهد الظاهر بيبرس، حيث كان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بخدام الحرمين الشريفين ويحمل الهدايا العينية والنقدية إلى البيت العتيق
وكان يغطى بقبة من الجوخ، وكان ذلك الجمل يصاحب قافلة الحج في كل عام بدء من حج شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب في عام 645هـ، أو منذ سلطنة الظاهر بيبرس في عام 670هـ.
ويعتقد البعض أن كلمة المحمل تشير أصلا للهيكل الخشبي المخروطي المحلى بالزينات، وكان مخصصا لجلوس السلطان إذا خرج لأداء الفريضة ويظل خاليا إن لم يذهب السلطان رفقة الحجيج.
و«المحمل يطلق في الأصل على الجمل الذي يحمل الهدايا إلى الكعبة، وكان يزين بأبهى زينة، ولما بالغوا في زينته، أصبح الجمل لا يستطيع أن يحمل سوى كسوته، فقد أصبحت كسوة المحمل في عام (۸- ۱۳ ه/ ۹۲۹ مه ۱۳۶ م) مع هيكله الخشبي لا تقل عن أربعة عشر قنطارا، وصار ما كان يحمل عليه من الهدايا يحمل في صناديق على جمال أخرى».
شكل المحمل
أما عن شكل المحمل فكان عبارة عن إطار مربع من الخشب هرمي القمة مغطى بستار من الديباج الأحمر أو الأخضر، وغالباً ما يزدان بزخارف نباتية وأشرطة كتابية مطرزة بخيوط من الذهب، وينتهي من الأسفل بشراشيب.
وللمحمل أربع قمم من الفضة المطلية بالذهب في الزوايا الأربع، ويوضع داخل المحمل مصحفان صغيران داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقين في القمة إضافة إلى الكسوة الشريفة، ويوضع المحمل على جمل ضخم يسمى (جمل المحامل) ويتمتع هذا الجمل بإعفائه من العمل بقية أيام السنة».
وكان المحمل يخرج من ميناء عيذاب متجها إلى مكة دون المرور بالقصير. وفي معيته كسوة الكعبة المشرفة، وكان أكثر القوافل تنوعا بما يضمه من حجاج القارة الأفريقية، فإلى جانب حجاج مصر كان هناك أيضاً حجاج من أرجاء المغرب العربي وبلاد التكرور أو ممالك المسلمين بغرب أفريقيا.
وكانت كسوة الكعبة تمر عبر النيل إلى قوص ثم صحراء عيذاب وبها وادي حميثرة حيث مدفن الإمام الشيخ أبوالحسن الشاذلي، ثم إلى ميناء عيذاب _ شمال حلايب على ساحل البحر الأحمر، وتصل إلى مواني الحجاز كعادة سنوية من سلاطين مصر هدية لبيت الله الحرام. ومع تخريب عيذاب على يد السلطان المملوكي «بيرسباى» تحولت التجارة والحج إلى ميناء القصير، ومنه كان يحج ثلاثين ألفا من حجاج مصر وشمال أفريقيا وغربها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق